المهم في الأمر هو أن"أيان"أطلت علينا من جديد في الملف المذكور من مجلة نيوزويك، لكي تشرح لقارئاتها المسلمات حجم الجريمة التي ينتهكنها في حق المجتمع الأوربي الذي منَّ عليهن بكرم الضيافة، وبدت أكثر تطرفاً من البابا أوريان نفسه، فهي ترى في الحجاب استئثاراً بالمجال العام للمجتمع الغربي الذي يجب علينا أن نفهم ضرورة فصله التام عن الدين، ثم تختم بنصيحة غالية:"أقول لكل امرأة تقرر الخروج من بيتها مرتدية الحجاب مثل الرجل الوطواط، ومن ثم تتذمر من كونها محط سخرية الجميع، أقول لها: إنك تتسببين بذلك، تحملي الحجاب أو اخلعيه".
وبوصفي مسلماً مهتماً بإحلال السلام في المجتمع الأوربي المهدد بذلك الخطر، أتساءل عن السبب المقنع الذي يسمح لأيان وأمثالها من جعل العلمانية موقفاً حيادياً من الدين، فإذا اعتقدنا بأن الدين عقيدة تؤمن بها طائفة من الناس وتتشبث بقيمها ومناسكها، فكيف أمكن لهؤلاء"اللادينيين"الذين انخلعوا من ربقة الدين أن يدَّعوا عدم وقوعهم في مستنقع الطائفية؟!
إن العلمانيَّة دين بحد ذاته، دين له مناسك وقيم، وعقيدة شاملة تنطلق منها تفسيراتهم لكل مظاهر الحياة، وإن استئثار هذا الدين بالسلطة والقانون والعلم والقيم في أي مجتمع، ثم فرضه على رقاب الناس، هو لعمري أشد بشاعة من تطرف المتدينين أنفسهم.
ولفهم المنطق الذي تتعامل فيه العقيدة العلمانية مع الدين- والإسلام على نحو الخصوص- يجدر بنا أن نقارن بين إلقاء"أيان"مسؤولية عدم الاندماج والتطرف وإثارة القلق في نفوس الأوربيين على عاتق بعض النساء الأوربيات اللاتي يغطين شعورهن، مع قيام أحد الأئمة في سيدني الأسترالية بتحميل بعض النساء مسؤولية اندفاع عدد من الشبان لاغتصاب إحداهن اغتصاباً جماعياً، موضحاً ما يتسبب به ذلك المظهر المزري للحم المكشوف على مدار الساعة.