حويت (حسام الدين) كل فضيلة سواك لها طي وأنت لها نشر
فما ينتهي إلا إلى كفك الندى ولا يعتزى إلا إلى بيتك الفخر
سُطا كلما تابعتها جزع الردى ونعمى متى فرقتها جمع الشكر
ونفس كأنّ من طبعها خلق السخا وبأس كأنَّ من حره طُبع الحر
ويقول العماد عنها:"الأبيات الأربعة حقها أن تكتب بذوب التبر، على صفحة الدهر. وترقم بسويداء الفؤاد على سواد الحدق، وترتاح لها النفوس ارتياح الرياض للديمة الغدق" [101] .
والمتدبر للأبيات يلتمس أن الذي أعجب العماد هو التقابل بين (طي ونشر، وينتهي ويعتزي، وفرقتها وجمع، ونفس طيبة وبأس) .
الشعراء يكثرون منها في غير ما إسراف ولا تبذل، وذلك شأن أسامة بن منقذ، وآخذ بطريقة عشوائية قصيدته الميمية التي يشكر فيها الملك الصالح بن رزيك على بعثه أهله من مصر، وهي مكونة من تسعة وخمسين بيتًا بما فيها المقدمة المفصولة عنها، وقد بلغت الأبيات التي احتوت على التقابل ثلاثة عشر بيتًا، وهذه نسبة متواضعة لا توحي بتكلف أو بعد مأخذ، يبدو أنه لا يسعى إلى إشارة جدلية من ورائه.
ومن تلك الأبيات:
يستقبل الحرب بساما، وقد كشرت بها المنية عن أنيابها الأرم
فإن سطا عن يقين أو كفا كرما فإنه خير ذي عفو ومنتقم [102]
وظاهرة الاعتدال هذه ظاهرة في جل شعره ومنه قصيدته الرائية في بطولات الجهاد لنور الدين، التي بلغت تسعين بيتًا. وهي من أجود شعره، وأجمله تركيبًا وتصويرًا، ومع ذلك لم يتكلف أو يتصنع التقابل فيها، فأبيات التقابل ثمانية عشر بيتًا فقط، ومنها:
بحيث حللنا الأمن من كل حادث وفي سائر الآفاق من بأسنا ذعر
وما في ملوك المسلمين مجاهد سوانا، فما يثنيه حر ولا قر
وفي سجننا ابن الفنس خير ملوكهم وإن لم يكن خير لديهم ولا بر [103]
ومن التقابل والتضاد في شعر عرقلة:
تناءوا بعد قربهم ملالا وسرنا يمنة وسروا شمالا
بك استغنيت عن زيد وعمرو ومن طلب الهدى ترك الضلالا
محلك في النجوم إذا تدانى وضدك في التخوم إذا تعالى