ولا إشكال في وصف القرآن لهم بأنهم لا يفقهون (حديثاً) ، وقد فهموا كلام ذي القرنين وتحدثوا معه، ذلك لأنهم وإن كانوا يحسنون الكلام؛ فهم لا يحسنون الفهم والعمل! فكلامهم عندئذ في حكم البَكَم، فهم أمة مقتنعة بالتخلف، راضية به، ترجو أن يقوم غيرها بما تحتاج إليه، وأن يسد الآخرون حاجاتها! ولذا بقيت على ذلك ظلم يأجوج ومأجوج زماناً طويلاً! منتظرة يوماً كيوم اجتماعها مع ذي القرنين؛ لا لتتعلم منه أو تعمل معه، وإنما لتتواكل عليه، وتلقي إليه بمشاكلها، راغبة إليه في حلها!!
ولكنه لم يشأ أن يصلح أعراض تلك المشكلة؛ التي يزعم أهل ذلك المجتمع أنهم يعانون منها، وهي عدوان غيرهم عليهم، ولكنه أراد أن يحل أصل مشكلتهم، الكامنة في طاقاتهم البشرية المجمدة، مع قدرة تلك الطاقة - بإذنه تعالى - على الدفاع عنهم، بل ورفعتهم ورفاهيتهم، فقال؛ كما أخبر الله تعالى عنه: {مَا مَكَّنْنِي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ} [الكهف:95] ، فقد منَّ عليّ بعقلية إدارية، وقد منَّ عليكم بسواعد فتية، {فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا} [الكهف:95] .
فقضى - عليه السلام - على ذلك التبلد الذهني، والخمول البدني في مجتمعهم، الذي أدى إلى تخلفهم! ولعلك لو أجريت دراسة اجتماعية لذلك المجتمع - بعد بناء السد - لوجدت أنه قد تحول تحولاً جذرياً، وانتقل نقلة يمكن أن تمحو عنه وصف { لاَ يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلاً} [الكهف:93] ، ويكون وصفهم بالتخلف خاصاً بساعة قدوم ذي القرنين عليهم.