فهرس الكتاب

الصفحة 19109 من 19127

ثم بدؤوا في تنفيذ جريمتهم، ذهبوا بيوسف إلى المرعى في الصحراء، ذهبوا به والسعادة تملأ قلبه؛ لأنه سوف يلعب مع إخوته، وسوف يقضي معهم وقتًا طيبًا، ذهبوا وقلوبهم تغلي حقدًا، وتتفطر حسدًا لهذا الأخ الحبيب القريب الصغير، فأخذوه أول ما وصلوا، ما تركوه يرتع كما قالوا، ويلعب كما زعموا، وإنما قيدوه بحبل، وأنزلوه في البئر، فأخذ يستغيث ويظن أنهم يمزحون، وقد خيروه بين القتل وبين أن يلقى في البئر.

كَفَى بِكَ دَاءً أَنْ تَرَى الْمَوْتَ شَافِيا وَحَسْبُ الْمَنَايَا أَنْ يَكُنَّ أَمَانِيَا

تَمَنَّيْتَهَا لّمَّا تَمَنَّيْتَ أَنْ تَرَى صَدِيقًا فَأَعْيَا أَوْ عَدُوًّا مُدَاوِيَا

فأنزلوه وهو يتشبث ويبكي، فيقول له أخوه وهو يستهزئ به، ويتهكم عليه كما في بعض الآثار: هذه أحد عشر كوكبًا، وهذه الشمس والقمر يسجدون لك!! فأخذوا ينزلونه بالحبل، وذكر ابن رجب في"جامع العلوم والحكم"أنه لما نزل أخذ يقول: حسبي الله ونعم الوكيل، وأخذ يقول: سبحان الله، سبحان الذي بيده ملكوت كل شيء، وهو على كل شيء قدير.

قال ابن عباس وهو يبكي حينما قرأ سورة يوسف:"هدأت الحيتان في البحر من التسبيح، ولم يهدأ يوسف عليه السلام من التسبيح، فأنزلوه، ولما نزل قطعوا عنه حبالهم، فبقي في حفظ الله، وفي رعاية الله وفي أمن الله".

وَإِذَا الْعِنَايَةُ لاحَظَتْكَ عُيُونُهَا نَمْ فَالْحَوَادِثُ كُلُّهنَّ أَمَانُ

يَا وَاهِبَ الآمَالِ أَنْ تَ حَفَظْتَنِي وَمَنَعْتَنِي

وَعَدَا الظَّلُومُ عَلَيَّ كَيْ يَجْتَاحَنِي فَحَمَيْتَنِي

فَانْقَادَ لِي مُتَخَشِّعًا لمَّا رَآكَ نَصَرْتَنِي

قطعوا الحبل وتركوه في البئر، وهو يلهج بذكر الله، في صحراء شاسعة، وحيدًا ليس معه إلا الله، لا خبز، ولا ماء ولا طعام، ولا أهل لا جيران ولا أحبة، لا أحد يمر، ولا مؤنس يؤنس، وإنما الذئب يعوي في صحراء مدوية، ثم رجعوا إلى أبيهم باكين!!

سَبَارِيتُهُ مُغَبَّرَةٌ وَسَبَاِسِبُهْ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت