فهرس الكتاب

الصفحة 19111 من 19127

والأمر الثاني: حتى لا يرى أبوهم الدمَ في الثوب فيميز بين دم يوسف ودم الشاة. وانظر إلى المكيدة .. أتوا يتباكون!! {وَجَاؤُواْ أَبَاهُمْ عِشَاء يَبْكُونَ} [يوسف: 16] . لقد تركوا كل شيء، وعمدوا إلى أبيهم يعقوب عليه السلام، وهم في حالة سيئة من البكاء والنحيب!! ماذا حدث؟ يا لهذه الرحمة التي أبكتهم! ما هذه الدموع الساخنة الحارة على فرقة يوسف عليه السلام، فسألهم أبوهم: ما الخبر؟ قالوا: {إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِندَ مَتَاعِنَا فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ} [يوسف: 17] . {ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ} [يوسف: 17] تجارينا وتسابقنا {وَتَرَكْنَا يُوسُفَ} [يوسف: 17] إشفاقً عليه {عِندَ مَتَاعِنَا فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ} [يوسف: 17] لأنه أخبرهم قبل ذلك أنه يخاف أن يأكله الذئب، ثم قالوا: {وَمَا أَنتَ بِمُؤْمِنٍ لِّنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ} [يوسف: 17] . أنت لا تصدقنا مع أننا صادقون، {وَجَآؤُوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ} [يوسف: 18] . إن كنت لا تصدقنا، فهذا دليل صدقنا، هذا قميصه ملطخًا بالدماء، هذا ثوبه جئنا به؛ لتعلم أننا صادقون!!

أخذ - يعقوب عليه السلام - الثوب، وضمه إليه، وسالت عينه بالدموع، {قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ} [يوسف: 18] . لقد كدتم مكيدة، ودبرتم مؤامرة، والله المستعان على ما تصفون.

قال ابن تيمية - رحمه الله:"الصبر الجميل؛ الذي لا شكوى فيه، والصبر الجميل أن لا تُظْهِر الفقر ولا المسكنة لغير الله، والصبر الجميل أن تتجمل أمام خلق الله."

قيل لأحد العبَّاد: ما هو الصبر الجميل؟ قال: أن يتقطع جسمك قطعة قطعة، وأنت تتبسم!! وقال آخر: الصبر الجميل أن تبتلى وقلبك يقول: الحمد لله"."

ثم تولى يعقوب يبكي حتى ابيضَّت عيناه على ما سوف يأتي، وفي بعض الآثار، أن الملائكة بكت على بكاء يعقوب - عليه السلام.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت