والمطلع على تطور العقل المسيحي الكنسي وفكره وثقافته، والدارس لنتاج الكرسي"الرسولي"الذي يجسد بنسبة كبيرة آلية وإنتاج ذلك العقل، يدرك أن الرسالة الدائرية البابوية الصادرة عن البابا بيا التاسع"كوانتا كورا (بأي قدر) " (Quanta Cura) ، والتي تضم ضمن ملحقها السيلابوس (المدونة) ، تجد أصولها أساسا في الرسالة البابوية الصادرة عن البابا غريغوار السادس عشر (Gregoire XVI) والمعنونة"ميراري فوس" (Mirari Vos) بتاريخ 15 أغسطس 1832، والتي قصد منها البابا المذكور أساسا إسكات الكاتب المسيحي"لاموني" (Lamennais) وجماعته، ومنع مجلته"المستقبل" (L'avenir) ذات الخط التحرري والتأثير القوي في الأوساط الدينية [9] ، والتي ساهمت في نشر أفكار ليبرالية تتلاقى مع الفكر الحداثي الناشئ، والشديد الارتباط بنشاط المؤسسات العلمانية، والماسونية أساسا.
ومساهمة منا في التعريف بجذور الفكر العلماني الغربي، والذي نراه إنتاجا مسيحيا خالصا في العديد من مكوناته، مع مساهمة يهودية ملموسة - لكن محدودة من حيث التأطير، وإن كانت قوية من حيث التنظير والتأثير - سنعمد إلى دراسة هذه اللائحة (السيلابوس) والتي ارتأينا أن نسميها"المدونة البابوية للمحظور من الفكر والكلام"، لأنها بالفعل قامت بتدوين مجموعة من المقولات كما قلنا يحرم على المسيحي الإيمان بها، أو اعتقاد إمكانية صدقها وصلاحها.
وطبعا حين نقول البابوية، فإننا نقصد أنها صادرة عن أعلى سلطة كنسية كاثوليكية، وأنها تعني الكاثوليك بالذات قبل غيرهم، وهم الطائفة الكبرى ضمن المجتمع المسيحي.
لكن قبل أن نقوم بعرض نص المدونة، سنقدم تعريفا لشخصية البابا بيا التاسع (Pie IX) ، مع إشارة لدوافع إصداره لتلك المدونة، وذكر نبذة عن الرسالة التوجيهية"كوانتا كورا (بأي قدر) " (Quanta Cura) التي صدر نص المدونة ملحقا بها.
تعريف بالبابا بيا التاسع