لن نتطرق في هذا المقال المختصر إلى مدلول كلمة"رسالة دائرية" (encyclique) في القاموس الديني المسيحي، ولا إلى الأصول التي رجعت إليها الرسالة التي نحن بصددها من رسائل سابقة لباباوات الكنيسة وتوجيهاتهم وخطبهم ولعناتهم للأفكار والآراء المخالفة لطرحهم [12] ، ولا إلى العلاقة الوطيدة كما ذكرنا بينها وبين الرسالة التوجيهية للبابا غريغوار السادس عشر (Gregoire XVI) والمعنونة"ميراري فوس" (Mirari Vos) بتاريخ 15 أغسطس 1832، [13] مكتفين بالقول بأن هذه الرسالة البابوية التوجيهية قد مثلت قمة الدفاع عن الكنيسة الكاثوليكية في وجه الحداثة العلمانية، أو على الأعم في وجه الثورة الليبرالية ذات النزعة الحداثية، ومن ثم كان اهتمامنا بها وبملحقها.
فهي بثوبها التقليدي وتشديدها السلطوي سمحت للثورة الليبرالية بأن تزدهر وتتسع داخل جمهور أتباع المسيحية من مسؤولين ومتدينين، بل حتى من داخل الهرم السلطوي نفسه، فهؤلاء جميعا قد استحسنوا في الغالب نقد تيارات الحداثة ومواجهتها للسلطة الدينية، ورضوا في داخل أنفسهم بكشفها صورا من جور واستبداد الكنيسة وفكرها المتحجر، بل رأوا في ذلك النقد المعقلن سندا لحركتهم الخافتة في وجه الفكر الكنسي السائد، والقائم عقبة في وجه التقدم، والرافض لكل قبول للرأي المخالف أو الحوار مع الآخر.