فليس عجبا أن يطفو على السطح نشاط مؤسسات ذات توجه عقدي مخالف للكنيسة الرسمية بشكل علني وبقوة بعد صدور تلك الرسالة وملحقها، سواء أكان ماسونيا أو يهوديا أو علمانيا أو غير ذلك. فلم يكن الصهاينة مثلا ليعقدوا مؤتمرهم الأول في نهاية القرن التاسع عشر الميلادي وبكل حرية، لولا ضعف سلطة الكنيسة، واتساع مجال الحرية الدينية الذي أسهمت في انبثاقه الانتقادات العارمة لمضمون تلك الرسالة البابوية وملحقها المزعج، وانزواء رجال الدين المتشددين إلى خطوط الدفاع، وانشغالهم بتبرئة الذات وتحسين الصورة، وامتناعهم عن كل مواجهة، بعد إشباع الجهات المناهضة إدارة"الكرسي الرسولي"قدحا إلى حدود النيل من سلطان نفوذها وتقليص مجال تأثيرها، مما جعلها تنزوي إلى دائرة الدفاع عن النفس، ساعية عبر محاولات شتى إلى التجديد في خطابها التقليدي لمنع تقلص الأنصار المتزايد، والذي ضاعف من أثره ضياع الأراضي والممتلكات البابوية، وتقلص النفوذ"العقاري"والفلاحي للكنيسة. فلو عزم منظمو ذلك المؤتمر إلى عقده قبل نصف قرن من تاريخه مثلا، لكان للكنيسة بالتأكيد رغم أزماتها موقف مناهض ومعاكس [14] .
فلقد سمح هذا الملحق برسوخ الأفكار التي أرادها ممنوعة ووصفها بالضالة بسهولة تقنين المواقف الحداثية دستوريا، وترويج الأفكار والثقافات المؤيدة لها على نطاق واسع، مما اضطر الإدارة العليا للكنيسة أمام الانتقادات الموجهة لها من داخل صفوفها وخيرة أتباعها إلى عقد"مجمع الفاتيكان الأول" (1869-1870) وإصدار قرار عصمة البابا، فزادت الطين بلة، ودفعت إلى توسيع مجالات الحرية الدينية، والظهور العلني، المؤسساتي والدستوري، لليبرالية المسيحية، مع نمو متصاعد للعلمانية، ونفوذ متزايد للأديان والملل الأخرى، وخاصة منها اليهودية التي كانت تعاني من الضيق والاضطهاد في أزمنة خالية.