فهرس الكتاب

الصفحة 2442 من 19127

بل لم تستطع تيارات الحداثة العلمانية - التي كسبت في ذلك الظرف العديد من المواقع السياسية والأرضية الدستورية - أن تضع قواعد الفصل بين الدين والدولة، وخاصة في الميادين التربوية والاجتماعية، إلا بفضل المناخ الثقافي النقدي الذي فجرته الرسالة البابوية وملحقها الاستبدادي، وقوة الردود التي كانت حولهما، حيث تمكنت من الدعاية السهلة لتحكيم العقل والمنطق لرفض مقتضياتهما، والتريث في الطاعة لكل توجيه ديني أو مدني من الكرسي الرسولي.

وغير خاف أن الفكر المسيحي التقليدي قد ظل منذ أن اقتبس تنظيم المجامع من المجالس الرومانية يفرض سلطته عبر إنزال لعناته على المخالفين في المجامع المحلية والمسكونية، وإقصاء معارضيه من الساحة، وسحب كل منزلة دينية عنهم، واتهامهم بسدنة الشياطين. ولقد ظل هذا النمط سائدا منذ بزوغ المسيحية التثليثية بشكل رسمي وجماعي في"مجمع نيقية" (concile de Nicee) سنة 325 ميلادية وحتى عقد"مجمع الفاتيكان الأول".

واستفحل الأمر بعد انشقاق الكنيسة على أيدي الراهب الألماني الثائر"مارتن لوثر"Martin Luther (1483-1546) واللاهوتي الفرنسي"جون كلفان"Jean Calvin (1509-1564) ورفاقهما من البروتستانت، وخاصة بعد انعقاد المجمع المسكوني لترانت (1545-1565) .

ولعل البابا ليون الثالث عشر في أواخر القرن التاسع عشر - والذي جاء بعد البابا بيا التاسع - هو أول من حاول الخروج عن هذا المألوف، سعيا لكسب بعض المواقع الاجتماعية والحد من الانتقادات الشعبية. ثم تجسدت الثورة على الموروث في"مجمع الفاتيكان الثاني" [15] حيث كان صدور البيان حول الحرية الدينية والبيان حول العلاقات مع غير المسيحيين بمثابة طلاق مع الفكر المسيحي التقليدي، وإن كانت معظم دوافع صدور هذين البيانين هي من خارج الكنيسة، ونتيجة ضغوط وإكراهات لا علاقة لها بتطور الفكر المسيحي انسجاما مع المدون من العقيدة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت