فهرس الكتاب

الصفحة 2463 من 19127

فلقد كانت الصفوف منقسمة، والآراء مختلفة، وما زالت، ورأينا عبر تحليل المدونة أن من يرغب في أن يحجر واسعا عبر تقنين أقوال الناس حسب المواقف السياسية لا يخلو من ضلالة وابتعاد عن النهج السوي، إذ من الصعوبة بمكان أن تكمم أفواه الناس، أو أن يخنعوا طول الدهر على الاستبداد الديني والمذهبي، أو أن يغفلوا عن الخلل في الأولويات لدى رجال الدعوة حين سكوتهم البين عن ظلم اجتماعي صارخ، واهتمامهم أكثر من اللازم بجوانب عبادية فردية.

بل إن الدراسات التاريخية لمسار الفكر المسيحي تخبرنا أن معدلات الجهر بمكنون الأفكار لدى المجتمع المسيحي الأوروبي تطورت بعد صدور المدونة وهيجان أوساط المثقفين والسياسيين متدينين وعلمانيين في وجهها. فمثلا في الوقت الذي نجد فيه مثقفا مسيحيا في مستوى ج - ج غوم (J. J. Gaume) الذي بكتابه"الثورة الفرنسية: أبحاث تاريخية عن أصل الشر وشيوعه في أوروبا"الصادر سنة 1856، يعتبر الثورة الفرنسية أم الأمراض، والوباء الذي أبطل حكم الله، وفرض نظاما دينيا جديدا يؤله الإنسان، ويهدد أوروبا قاطبة، فإننا نجد أحد أتباع الكنيسة والمنخرطين في هرمها السلطوي المحلي الراهب ج. أوديزيو (G. Audisio) يكتب بعد عشرين سنة عام 1876 حول إرث الثورة الفرنسية، ويعتبر أنه ليس شرا كله، بل كل ما فيه من دفاع عن الحرية والأخوة هو عين ما تنص عليه الأناجيل من مبادئ اجتماعية، ويرى أن النظام الاجتماعي الجديد وقتها ينبغي أن يقوم على ذات المبادئ. [24]

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت