فهرس الكتاب

الصفحة 2476 من 19127

ذلك أن الحروب التي تشن علينا، الفكرية والثقافية والسياسية والعسكرية، تجعلنا - رغم الفارق الكبير- شبيهي الوضع بما كان يجري قبل قرن ونصف من تاريخنا المعاصر. فلو ترجمت خطبة واحدة من الخطب التي تلقى بمساجدنا بالعالم الإسلامي والغربي، لاستطاعت المؤسسات العلمانية أن تعثر - إذا أحسنت الاختيار- على شيء شبيه بالسيلابوس أو قريب منه، ولن تجد الجهات الدينية المسلمة من مجال إلا التنكر له والابتعاد عنه. وحري بنا - وغباوتنا قد استفحلت - أن ننقح خطاباتنا بما ليس من الدين في شيء، وأن نجتهد في أن لا يعتلي المنبر إلا صاحب فقه في الدين، وفقه في الدعوة، وفقه للواقع.

بل المتمعن في أدعيتنا وحدها، وخاصة منها دعاء القنوت في رمضان، يدرك أننا لا نحسن الصنعة ولا نستقيم على منهاج الملة. بل خلاصة الدعاء - وتلك كارثة كبرى - أننا نحيل كل حل لأوضاعنا على خالقنا جل وعلا، مثل قول قوم موسى له حين أمروا بدخول القرية: {قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا، فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ} (المائدة:24) ، غير مميزين بين التوكل والتواكل، ولا بين الاستعانة والاستقالة، مبرئين أنفسنا من أي عمل أو فعل، معتذرين عن ضعفنا باستحالة قيامنا - والأوضاع كما هي - بما نحن مأمورون به.

بل الأدهى أننا في العديد من أدعيتنا - سواء في القنوت أو خطب الجمع أو غيرها - نسأل الله عز وجل أن يبطل سننه، ويعطل قوانين ملكوته، فيمحق الذين كفروا جميعا فلا نسمع لهم ركزا، ويهلك المنافقين فلا نلمس لهم حسا، ولا أدري لم لا نسأله - والحالة كذلك - أن يخلف وعده لإبليس، فيضع لوجوده حدا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت