فهرس الكتاب

الصفحة 3253 من 19127

ومن هذا جعل بعض الناس الاختلاف رحمة للتوسع في الأقوال وعدم التحجر على رأي واحد... وربما صرح صاحب هذا القول بالتشنيع على من لازم القول المشهور أو الموافق للدليل، أو الراجح عند أهل النظر والذي عليه أكثر المسلمين. ويقول له: لقد حجرت واسعاً، وملت بالناس إلى الحرج، وما في الدين من حرج، وما أشبه ذلك. وهذا القول خطأ كله وجهل بما وضعت له الشريعة [94] .

والخلاف على هذا النحو يؤدي إلى الفرقة والتقاطع والعداوة والبغضاء لاختلاف الأهواء وعدم اتفاقها.

وإذا صار الهوى بعض مقدمات الدليل لم ينتج إلا ما فيه اتباع للهوى وفي ذلك مخالفة للشرع، ومخالفة الشرع ليست من الشرع في شيء. فاتباع الهوى من حيث يظن أنه اتباع للشرع ضلال في الشرع. ولذلك سميت البدع ضلالات.

وجاء أن كل بدعة ضلالة؛ لأن صاحبها مخطئ من حيث توهم أنه مصيب، ودخول الأهواء في الأعمال خفي، فأقوال أهل الأهواء غير معتد بها في الخلاف المقرر في الشرع. وما ذكر منها في كتب الفقهاء إنما للرد عليها وبيان فسادها مثلما فعلوا مع أقوال اليهود والنصارى [95] .

ولا يجوز للمفتي أن يتساهل في الفتوى، ومن عُرِفَ بذلك لم يَجز أن يُستفتى. وكذلك الحاكم ولا فرق بين المفتي والحاكم إلاَّ أن المفتي مُخبر، والحاكم ملزم، والتساهل قد يكون بأن لا يتثبت ويسرع بالفتوى أو الحكم قبل استيفاء حقها من النظر والفكر، وربما يحمله على ذلك توهمه أن الإسراع براعة، والإبطاء عجز ومنقصة، وذلك جهل، فَلأَن يبطئ ولا يُخطئ أجمل به من أن يعجل فيُضل ويَضل.

وقد يكون تساهله وانحلاله بأن تحمله الأغراض الفاسدة على تتبع الحيل المحظورة أو المكروهة. والتمسك بالشبه طلباً للترخص على من يروم نفعه أو التغليظ على من يريد ضره.

قال ابن الصلاح: ومن فعل ذلك فقد هان عليه دينه [96] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت