وإذا كان الأمر كذلك؛ فإنَّ عَقْد الإيجار المنتهي بالتَّمليك، أو بعبارةٍ أصح؛ الإيجارَ معَ الوَعْد بالبيع جائزٌ حينئذٍ لوُجود المنفعة المُباحة؛ لأنَّ ما لا نَفْع فيه لا يجوز بيعه؛ ولأنَّ عقْد البيع لا يكون إلاَّ بطلب منفعة العَيْن. وإذا جاز الانتفاع بالعين المُباعة مُدَّةً مَعلومةً، جاز استثناء الانتفاع لبعض المنفعة، وإذا جاز بالإجارة مُدَّةً معلومةً، جاز الانتفاع ببعض المنفعة في العَين المباعة. والاستثناء في الإجارة أظهر منه في البيع؛ لأنَّه في الأوَّل استثْناءٌ لجميع المنفعة، وفي الثَّاني استثناءٌ لبعضها. واستثناء الجميع هو الذي نَصَّ الفقهاء على جَوازه دون الآخر. ربَّما لعدم حاجتهم إليه، أو هو من باب القياس، أو الإشارة. وعلى هذا فالمُؤجِر للسِّلعة مع الوعْدِ بتمليكِها استثْنى جزءًا من مَنْفعتها وهو (الاستمارة مثلاً في السَّيَّارة) ، وعلى فرض التَّسليم بعدم الجواز سدًّا للذَّريعة، فإنَّ القاعدة الشَّرعيَّة تقول:"ما حُرِّم سدًّا للذَّريعة، أُبِيحَ للمَصْلحةِ الرَّاجِحَة" [16] ، وهذا العقد فيه مَصلحةٌ ظاهرةٌ، وراجحةٌ للطَّرفَين على ما يبدو.
هل الأصل في العُقود الحظْر أو الإباحة؟
اختَلَف فيه العلماء على قوْلَين:
الأوَّل: الأصل فيها الحظْر حتى يقوم الدَّليل على الإباحة [17] وهو مذهب ابْن حَزْمٍ الظَّاهريّ، وهو مشهور الحنفيَّة، ومذهب الشَّافعيَّة. وقد رُوي عن بعض أصحاب مالكٍ وأحمد، وإن كان هؤلاءِ يتوسَّعون في الشُّروط أكثر من أهل الظَّاهر؛ لأنَّهم يقولون بالقياس دونهم [18] .
الثَّاني: الأصل في العُقود الإباحة حتى يَرِد عليها دليلٌ حاضرٌ أو موجِبٌ، قال بهذا القول عددٌ من المتقدِّمين من فقهاء المذاهب الأربعة، وهو قول الإمام الشَّافعيِّ [19] ، والزَيْلعيِّ [20] من الحنفيَّة، والشَّاطبيِّ من المالكيَّة [21] ، وابن تيميَّة وابن القيِّم من الحنابلة [22] .
أدلَّة أهل القول الأوَّل: