أما فيما يتعلق بالمقدمة الأولى فإن مسلمات الإطار المعرفي الإسلامي نوعان، منها مسلمات مصدرها الوحي فقط، والمنهج في تحصيلها هو الاستنباط، ومسلمات أخرى مصدرها غير الوحي وهو العالم، ويدخل في ذلك التجربة والعقل، والسبيل في تحصيلها التجريب واختبار الفروض، وهذا لا يتحقق من غير دراسات جزئية نسعى من خلالها في التثبت من المسلمات. وربما ردت هذه المقدمة بأن المسلمة التي نحتاج إلى التثبت منها ليست في الحقيقة مسلمة لأن مسلمات الإطار العلمي أمر سابق على البحث العلمي نفسه، وهي التي توجه البحث العلمي وتحدد مجاله وأدواته، وهذا القول ليس على إطلاقه حيث ثبت من خلال التجريب أن بعض ما كنا نظنه في وقت من الأوقات مسلمات ليس مسلماً به.
وأما فيما يتعلق بالمقدمة الثانية فقد سلف في الحديث عن طبيعة النظرية الإسلامية أنها اجتهاد قابل للصواب والخطأ، وما يميز هذه النظرية عن سواها هو أنها اجتهاد مبني على أصول إسلامية فقط. إذن النظرية بعد أن توضع تقبل التعديل سواء بالإضافة أو الحذف كما أنها عرضة للرفض. ولهذا فلكي نصل إلى نظرية كاملة شاملة نحتاج إلى مشوار طويل من التجريب والبحث، وهذا لا يكون إلا بالبدء بجزئيات تتكامل فيما بعد مكونة النظرية الشاملة.
وأما المقدمة الثالثة فإن النظرية في العلوم الاجتماعية وكذلك العلوم الأخرى لا تكمل إلا بعد جهد ربما تجاوز عشرات السنين. النظرية السلوكية مثلاً كانت تصوراً ساذجاً على يد واطسون يصر على دراسة السلوك الظاهر فقط، ولكنها تطورت على يد سكنر ثم تطورت أكثر على يد باندورا الذي ربط بينها وبين الاتجاه المعرفي، وهذا النمو استغرق خمسين سنة تقريباً.
لهذا يرى الباحث أن ما يسمى بالتأصيل الجزئي مقدمة طبيعية للتأصيل الشامل بشرط تحديد الأطر الفكرية والمنهجية العامة التي ينطلق منها الباحث في بحثه، ويتمكن بعد ذلك من بناء نظرية نفسية شاملة.
شروط التأصيل الإسلامي: