علَّم صلى الله عليه وسلم أصحابه الرحمة، حتى صار أشدهم وأقساهم قلبًا من أرحم الناس، فهذا عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - لولا هداية الله له، ما كان يعرف الرحمة، وما كانت عيناه تعرف الدموع ولا اللين، كان رضي الله عنه من أقسى الناس في الجاهلية، كان سفاكًا فتاكًا لا يعرف المهادنة ولا يعرف الحوار ولا السهولة واللين، فلما سكب، عليه الصلاة والسلام، إناء الرحمة في قلبه، كان أرحم الناس وأرق الناس.
وقف - رضي الله عنه - على المنبر يوم الجمعة فغلبته عيناه فلم يستطع أن يتكلم، يأتي ليصلي بالناس فلا يسمع الناس قراءته من شدة البكاء، كان في خديه خطان من أثر البكاء، فمن الذي جعل في قلبه هذه الرحمة؟ ومَن الذي جعله شفوقًا حليمًا ودودًا؟
قال مرة لأسلم مولاه: أتنام الليل؟ قال: نعم، قال عمر: والله ما نمت منذ ثلاث، فقد جعل الله في عنقي الأرملة، والمسكين، والشيخ الكبير، والعجوز، واليتيم!!
عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - يقول في عام الرمادة: والله لا أبتل في سمن ولا آكل سمينًا حتى يجلي الله الكربة عن المسلمين.
يأتي يوم الجمعة ليصلي بالناس فيقرقر بطنه من الجوع، فيضرب على بطنه، ويقول: قرقر أو لا تقرقر، والله لا تشبع حتى يشبع أطفال المسلمين.
حسبني وحسب القوافي حين أرويها أني إلى ساحة الفاروق أهديها
يا رَبِّ هَبْ لي بَيَانًا أَسْتَعِينُ بِهِ عَلَى حُقُوقِ الْعُلا قَدْ نَامَ رَاعِيهَا
لقد بلغ من رحمته - رضي الله عنه - أنه كان يسأل عن أطفال المسلمين؛ ماذا أكلوا، وماذا شربوا، وكيف ينامون، إنها الرحمة التي علمها رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه، ومن لا يرحم الناس لا يرحمه الله، ومن نسي حقوق الناس، وآلام الناس، ومشكلات الناس، عرّض نفسه للغضب والمقت من الله - عز وجل.