فهرس الكتاب

الصفحة 5318 من 19127

ومما يجدر التنبيه عليه وبحثه هنا، ما يفعله كثير من المسلمين من تَكْرَار العُمْرَة، بعد وُصُولهم إلى مكة، فيخرجون إلى التنعيم، ويُكرِّرُون الاعتمار عن أنفسهم وعن غيرهم، وهذه المسألة جَدِيرة بالبحث لما تسببه من الزحام، فقد يعتمر بعضهم خمس عمر، أو عشر عمر في وقت مُتقارِب، وقد اختلف أهل العلم في مشروعية ذلك على ثلاثة أقوال:

القول الأول: الاستِحْباب. وهو مذهب الحنفية [168] ، وقول للشافعية [169] ، ورواية عند الحنابلة [170] .

القول الثاني: عدم الاستحباب: وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيميّة [171] ، وتلميذه ابن القيم [172] .

القول الثالث: كراهة تكرار العمرة في السنة أكثر من مرة، وهو قول للمالكية [173] ، ورواية عند الحنابلة [174] .

أدلة القول الأول: القائل بالاستحباب، هي: عُمُوم الأدلة في فضل التتابع أو المتابعة بين الحج والعمرة، ومن أدلتهم: حديث عائشة - رضي الله عنها - وإِذْن النبي - صلى الله عليه وسلم - لها بالخُرُوج إلى التنعيم في قولها:"أرْسَلَنِي النبي - صلى الله عليه وسلم - مع عبدالرحمن بن أبي بكر إلى التنعيم فاعتَمَرْت"، فقال: (( هذه مكان عمرتك ) ) [175] ، ومن أدلتهم: حديث أنس بن مالك - رضي الله عنه - أنه إذا كان بمكة وحَمَّم رأسه، خرج فاعتمر [176] .

أدلة القول الثاني: القائل بعدم الاستحباب، استدلوا بفعل النبي - صلى الله عليه وسلم - حيث لم يعتمر وهو بمكة، وكذا أصحابه الذين كانوا معه، ولم يُذْكَر عن أحد منهم أنه خرج إلى الحِلّ فأتى بعمرة أخرى، فدل على عدم مشروعيته [177] .

وبمثل هذه الأدلة استدل أصحاب القول الثالث، القائلون بالكراهة.

والراجح - والله أعلم - القول بعدم الاستحباب: لأنه أقرب إلى النص والسنة، وفعل الصحابة - رضوان الله عليهم - ولو كان مُستحبًّا لسبقونا إليه، ويتأكد القول بهذا في أزمنتنا التي كثر فيها الزحام؛ بسبب من يُكرِّرُون الاعتمار، والعبادات توقيفية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت