وإذا كان القرآن الكريم قد نص - على سبيل الحصر - على مصارف الزكاة, في قوله - تعالى: {إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} [5] ، فإنَّ هذه الآية الكريمة قد حصرت مصارف الزكاة, ولكنها لم تحدد مواصفات وشروط كل مصرف, وتركت ذلك للفقه ليواكب استخدام حصيلة الزكاة وتطور المجتمع وظروفه.
وفى تخصيص جُزء من حصيلة الزكاة للفقراء والمساكين, استهدفت الآية أن تجعل من الزكاة أداة لتحقيق مجتمع إسلامي متضامن ومتعاون بين الأغنياء و الفقراء، ولعل ذلك يؤدي بنا إلى ضرورة تحديد مفهوم الفقر في الإسلام.
مفهوم الفقر في الإسلام:
1-الفقر النِّسْبِيّ:
للفقر مفهوم نسبي, فالشيء الأقل يعدُّ فقيرًا بالنسبة للأكثر، وفي هذا يعكس الفقر التفاوت في الدخول، والتفاوت في حد ذاته يعترف الإسلام به كسنة كونية, إذ يرجع لاختلاف قدرات الأفراد, ومقدار ما يبذلونه من جهد، وعمل صالح.
وفى هذا يقول الله - تعالى: {أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمَةُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ} [6] .
ويقول كذلك: {وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آَتَاكُمْ} [7] .
وعلى هذا الأساس يعترف الإسلام بالتفاوت بين الأفراد في أرزاقهم، وفى نمط حياتهم، أو معيشتهم، وذلك نتيجة طبيعية لاختلافهم في مقدار ما يبذلون من جهد وعمل.