ومع ذلك فإن هذه الملكية ليست مطلقة أو أصلية يتصرف فيها المالك على هواه، وإنما هي ملكية ظاهرية؛ لأنها خاضعة لشروط المالك الأصلي، وهو الله - سبحانه وتعالى - أما ما يفيد الملكية الأصلية التي لله فهو قوله - تعالى: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى * لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثَّرَى} [29] .
وقوله: {قُلْ لِمَنْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلْ لِلَّهِ} [30] ، وقد اقتضت حكمة الله أن يستحلف الإنسان في الأرض، أي أن يكون خليفة له في التصرف في هذه الملكية، حثًّا على الإنفاق في سبيل الله، واستجابة لقوله - تعالى: {وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللهِ الَّذِي آتَاكُمْ} [31] .
وإذا كان المال مملوكًا ملكية مطلقة لله تعالى، فإنه قد أوجده لجميع عباده القادر منهم والعاجز على حد سواء، ولهذا يقول الله - تعالى: {وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ * لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ} [32] .
ويعني ذلك أن القادرين من عباد الله إنما يعملون في أموالهم, وأموال العاجزين منهم عن العم، ولهذا فإنَّ من حق هؤلاء العجزة أن يحصلوا على جزء مما أنتجه القادرون؛ لأنهم يشتركون معهم فيما يعملون فيه، ويفسر ذلك قول الحق - تبارك وتعالى - في الآية الأخيرة أن للسائلينَ والمحرومين حقًّا في أموال القادرين، وليس تفضلاً أو مِنَّة منهم عليهم.
إن الدافع إلى الزكاة هو أمر الله [33] ، فهو ليس شيئًا عارضًا، أو نتيجة ثورة للفقراء مثلاً؛ كما هو في الفرائض الوضعية. ولم يكتفِ القرآن الكريم بالأمر بالزكاة وإطعام المساكين، بل أوجب الحضّ على هذا الإطعام؛ كما في قوله - تعالى - في شأن صاحب المال، والسلطان المستحق لعذاب الله: {إِنَّهُ كَانَ لَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ * وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ} [34] .