ولعل آية البر تؤيد هذا النظر. فالإنفاق في سبيل الله؛ أي في سبيل صالح المجتمع، يفيد أن ثمة حقًّا في الأموال بخلاف الزكاة، بدليل الجمع في تلك الآية بين الإنفاق في سبيل الله، والزكاة، وذلك في قوله - تعالى: {لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آَمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآَتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآَتَى الزَّكَاةَ} [البقرة: 177] ، وعلى هذا الأساس فإنه يجوز فرض الضرائب إلى جانب الزكاة، إذا رأى أن صالح المجتمع عسكريًّا أو اقتصاديًّا أو اجتماعيًّا يتطلب ذلك، وكل ذلك مشروط بألا يؤخذ المال إلا بالحق، وذلك كما قال عمر بن الخطاب في خطبة له، إنه لا يجد"هذا المال (المال العام) يصلحه إلا خلال ثلاث: أن يؤخذ بالحق، ويعطى في الحق، ويمنع من الباطل" [38] .
ومفاد ذلك أنه إذا كان للزكاة أن تغني عن الضرائب، فإنّ الضرائب لا تغني عن الزكاة، لأن الأخيرة فريضة تعبدية أمر الله بها، ولا يكتمل الدين إلا بتطبيقها، ولأنه قد حددت مصارفها على سبيل الحصر، فإنه يمكن فرض ضرائب وضعية إلى جانبها، إشباعًا لحاجات اجتماعية أخرى لم تتضمنها مصارف الزكاة.
تلك هي بعض الجوانب الاقتصادية والاجتماعية في الزكاة، وما أكثر الأسرار التي تكمن في فقه الزكاة، يتذوقها المؤمن الصالح فتنير له الطريق.
إن هذه الإشارة المتواضعة لبعض الجوانب للزكاة، والتي زادها تواضعًا ضيق المجال، وضيق المكتبات الشرعية، تشير إلى أن ما توصل له العلم الحديث، ونحن نلهث خلفه، لا يعدو أن يكون إحاطة محدودة لما يمكن أن يجود به فقه الزكاة.