إن هذا المعنى هو الأنسب للسياق في هذا المقام؛ فإنه ليس معنى مكروراً كسابقيه, إذ الحصر بهذا المعنى ليس من مستتبعات النبوة والصلاح؛ بل الأصل خلاف هذا، {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلاً مِّن قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجاً وَذُرِّيَّةً} [الرعد,38] , فلما انفرد يحيى عليه السلام بهذه الصفة نُصَّ عليها, ثم إن أصحاب هذا الرأي اختلفوا في سبب هذا الحصر, فقال بعضهم: إنه لا يأتي النساء عجزاً, وقد نسب إلى بعض الصحابة والتابعين قولهم: إنه كان عنيناً لا ذكر له, وقيل: بل كان ذلك لصغر الآلة [35؛ جـ8؛ ص32؛ 36 , جـ4 , ص 78؛ 37؛ جـ 3 , ص 275] , ونسب لأبي هريرة وسعيد بن جبير قولهما:"كان ذكره مثل هذه القذاة". يشير إلى قذاة من الأرض [21, جـ2 , ص 38] , وعن سعيد بن المسيب: كان له مثل هدبة الثوب [20, جـ6؛ ص 378؛ 38، جـ2, ص 35] , وعلى هذه الأقوال تكون (حصور) بمعنى: مفعول, أي ممنوع بمانع خارجي، لا إرادة له فيه [24, جـ1, ص 394] , وأنكر هذا حذاق المفسرين ونقاد العلماء" [21, جـ2, ص 38] ."
إن صح هذا عمن نقل عنهم من الصحابة والتابعين بإحسان؛ فإنه موضع استهجان؛ إذ لا سبيل إلى معرفة شيء مما ذكر إلا بنقل صحيح, وليس ثَمَّ, وليست تتقوى هذه الآراء بتوجيه صاحب (التحرير والتنوير) حين قال:"إن الله تعالى وهب زكريا ولداً إجابة لدعوته, وأتم الله تعالى مراده من انقطاع عقب زكريا لحكمة علمها" [28 , جـ3 , ص 241] .
إن الطريق الأسلم للخروج من هذه الاختلافات والوقوف على مراد الله هو الاحتكام إلى السياق، وهو هنا سياق مدح وبشرى وامتنان, وتلك صفات نقصان, ولهذا أحسن الرازي حين حكم على الأقوال المتقدمة بالفساد، قائلاً:"وذكر صفة النقصان في معرض المدح لا يجوز, ولأنه على هذا لا يستحق ثواباً ولا مدحاً" [35 , جـ8 , ص 33] .