ذهب أصحاب هذا التوجه من المفسرين إلى أن يحيى - عليه السلام - كان حصوراً لا يأتي النساء, لا عجزاً في أصل الخلقة, بل زهداً وانصرافاً إلى العبادة, فالحصور بهذا المعنى حاصر، من فعول بمعنى فاعل, وهو الذي يكثر من حصر النفس ومنعها، كالأكول الذي يكثر منه الأكل والشرب، والظلوم، والغشوم.
إن المنع إنما يحصل لو كان المقتضى قائماً, فلولا أن القدرة والداعية كانتا موجودتين, وإلا لما كان حاصراً لنفسه, فضلاً عن أن يكون حصوراً [35, جـ 8, ص33] .
لقد تضمن السياق في ثناياه ما يرجح هذا المعنى, فقد طلب زكريا من ربه ذرية طيبة, واستجاب الله تعالى له, ولا تكتمل هذه الصفة إن صاحبتها صفة نقص, وكان قد جاءه الخبر عن طريق الملائكة وهو يصلي في المحراب, ولا يحسن أن يقال إن الملائكة نقلت إليه هذا الخبر - وهو صفة النقص - وزكريا على هذه الحالة المباركة.
جاء في سياق الآية أيضاً: {أَنَّ اللّهَ يُبَشِّرُكَ} [آل عمران: 38 - 39] . وكيف تتم البشري إذا كانت بغلام عنين لا ذكر له؟! بخاصة أن هذه الصفة (حصوراً) جاءت في سياق صفات مدح وكمال, فيجب حملها على هذا الكمال، وإبقاء النص كله في سياق واحد.
إذا كان السياق قد أنصف يحيي - عليه السلام - ونزهه عن صفات النقص, فقد أنصف أمه الكريمة في موضع آخر مشابه, يتضح هذا في قوله تعالى: {وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَباً وَرَهَباً وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ} [الأنبياء: 90] .
اختلف المفسرون في معنى قوله تعالى: {وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ} ، قال بعضهم: أصلح الله تعالى خُلُقَها ودينها, لأنها كانت سيئة الخُلُق [36, جـ11, ص336؛ 37 , جـ3 , ص 275؛ 39 , جـ 4 , ص 212] , وقال بعضهم: أصلح الله لها لسانها؛ لأنها كانت بذيئة الكلام [40 , جـ4 , ص368؛ 35, جـ21 , ص 236] .
أغرى أصحاب هذا التفسير أمران: