يسهم في مواطن كثيرة المقرر السابق الذي ينظر إلى الآية في ضوئه في تجاهل السياق, وهذا المسلك يحول دون الكشف الأمين عن مراد الله عز وجل.
يظهر هذا من خلال توجيه المفسرين لمعنى كلمة"فارغاً"في قوله تعالى: {وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغاً إِن كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلَا أَن رَّبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} [القصص: 10] , فقد اختلفوا في توجيه المعنى, ومرجع اختلافهم كما يقول ابن عاشور [28, جـ20 , ص 80] يعود إلى ناحيتين: ناحية تؤذن بثبات أم موسى، ورباطة جأشها, وناحية تؤذن بتطرق الضعف والشك إلى نفسها.
يرى أصحاب التوجه الأول أن المقام يقتضي المدح والثناء على موقف أم موسى, وهذا يستدعي أن يكون المعنى أن فؤاد أم موسى أصبح فارغاً من الهم والحزن والخوف, لأن الله تعالى وعدها برده لها [23, جـ2 , ص98؛ 26, جـ3 , ص 159] , والمقام عندهم - فيما يبدو - يقتضي هذا التفسير؛ لأنه حديث عن صراع بين الحق والباطل, وأم موسى تمثل طرفاً من جانب الحق في هذه القصة؛ فلا يحسن - والحالة هذه - أن توصف بغير ما ذُكر.
يرى الفريق الثاني أن فؤاد أم موسى أصبح فارغاً من الصبر عليه [26, جـ3, ص 158؛ 41 , جـ20 , ص 48؛ 43 , جـ13, ص 96؛ 44 , جـ 20 , ص 20] , أو فارغاً من وعد الله تعالى لها، حيث نسيت هذا الوعد [45, جـ2, ص432؛ 37, جـ3, ص 398] , مما يعنى أنها لم تبد جلداً أو صبراً على فراقه, لولا أن تداركها الله؛ فربط على قلبها.
لما كان سياق النص لا يتضمن من أي شيء أصبح فؤادها فارغاً، وليس بين أيدينا دليل خارجي يُركن إليه في تقديم معنى على آخر, فليس أمامنا إلا السياق، نحتكم إليه دونما اصطحاب لمقرر سابق في الذهن؛ لأنه يلقي بظلاله على دلالة النص لا محالة, وهو ما يمكن ملاحظته عند أصحاب الرأي الأول.