أن الذي يبدو بعد النظر والتأمل في سياق القصة، العام منه والخاص: أن المعنى الثاني هو الأليق بأحداث القصة, والأنسب للسياق, وندلل على هذا القول بعدة قرائن أذن بها السياق, نمهد لها بالإشارة إلى أن الوحي الوارد في أول القصة إنما هو - فيما يظهر لنا - إلهام وانشراح صدر تجاه الفعل.
وليس هو كوحي الله تعالى لأنبيائه, وإذا كان ذلك كذلك؛ فإنه لن يحول دون شعور أم بالخوف والاضطراب بعد أن ألقت ابنها في الماء, وليس في هذا منقصة لها.
لقد نسب القرآن الكريم الخوف إلى موسى نفسه في عدة مواطن: {فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خَائِفاً يَتَرَقَّبُ} [القصص: 18]
{فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُّوسَى} [طه: 67] , وليس في ذلك ما يضير, وإنما هو الصدق في الإخبار, والواقعية في العرض, فلا غرو أن يكون القصص القرآني أحسن القصص.
إن في السياق قرائن تدل على أن أم موسى انتابها شيء من الخوف والقلق على ابنها؛ فإن فؤادها أصبح فارغاً, ويعبر بفراغ الفؤاد عن ذهاب العقل, ومثله قوله تعالى: {وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاء} [إبراهيم: 43] . لا عقول فيها [25, جـ11, ص 267] , وإن شاع في كلام الناس"فلان خلي البال", إذا كان لا هم بقلبه [26, جـ3, ص158] , لكن السياق يأباه, ثم لا أدري: هل هذا المعنى حادث بعد نزول القرآن، أو لا؟ فإن كان كذلك؛ فلا يحمل عليه القرآن البتة.
صُدِّرت الآية بقوله تعالى (فأصبح) , وهى مستعملة هنا بمعنى"صار", فاقتضى تحولاً من حالة إلى أخرى, أي: كان فؤادها غير فارغ، فصار فارغاً [28, جـ20, ص80] , وجاء الإخبار عن فراغ فؤادها بعد الإخبار عن إلقاء موسى في الماء؛ فكان من مستتبعاته.