فهرس الكتاب

الصفحة 5613 من 19127

"ولأمرٍ ما أرادَهُ الله، بلغ خبرُ هذه البيعة مُشْركي قريش، فجاؤوا وَدَخلوا شِعب الأنصار، وقالوا: يا مَعْشَرَ الخَزْرَج. بَلَغَنَا أنَّكم جئتم لصاحبنا تُخْرجونه من أرضنا، وتبايعونه على حربنا؟ فأنكروا ذلك، وصار بعضُ المشركين الذين لم يَحْضُروا المبايعة، يحلفون لهم أنهم لم يَحْصُلْ منهم شيءٌ في ليْلَتِهِمْ، وعبد الله بن أُبَيٍّ كبير الخزرج يقول:"ما كان قومي ليَفْتاتُوا عليّ بشيء من ذلك" [1] ."

قال العلامة محمّد الغزالي:

"تِلْكُمْ بَيْعَة العقبة، وما أُبْرِم فيها من مَوَاثيق، وما دَار فيها من مُحَاوَرَات.. إنّ روح اليقين، والفداء، والاستبسال سادت هذا الجمع، وتمشّت في كلِّ كَلِمَة قيلت، وبدا أنّ العواطف الفائرة ليست وحدها التي توجِّه الحديث، أو تملي العهود. كلاَّ؛ فإنَّ حساب المستقبل رُوجِع مع حِسَاب اليوم، والمغارم المتوقَّعة نُظر إليها قبل المغانم الموهومة. مغانم؟ أين موضع المغانم في هذه البيعة؟؟."

لقد قام الأمر كلُّه على التجرُّد المَحْض، والبَذْل الخالص.

هؤلاء السبعون، مُثُلٌ لانتشار الإسلام عن طريق الفكر الحرّ، والاقتناع الخالص...

فقد جاؤوا مِنْ يَثْرِبَ مؤمنين أشدّ الإيمان، وملبِّين داعيَ التضحية، مع أنّ معرفتهم بالنبي - صلى الله عليه وسلم - كانت لمَحْةً عَابِرَة، غبرت عليها الأيامُ، وكان الظن بها أن تزول.

لكنَّنا لا يجوز أن نَنْسَى مصدر هذه الطاقة المُتأجِّجَة من الشجاعة والثقة؛ إنَّه القرآن!

لئن كان الأنصار قبل بيعتهم الكبرى، لم يصحبوا الرسول إلا لمامًا. إنّ الوحي المُشِعّ من السماء أضاء لهم الطريق، وأَوْضَحَ لهم الغاية.. لقد نزل بمكة قريب من نصف القرآن، سال على أَلْسِنَة الحفَّاظ، وتداولته صحائف السفرة الكرام البررة. والقرآن النازل بمكة صوَّر جزاء الآخرة رأي العَيْن.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت