فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
كان من سوالف الأقضية أني حضرت حفلا بهيجاً.. ضمَّ ثلَّةً من العلماء والأعيان والأفاضل، وتقاطَرَ فيه الخطباء يتحفوننا بأفانينَ من القول والوعظ والإرشاد، وكان منهم خطيب فاضل أديب* استهلَّ كلمته وما أحسن ما استهلها بقصيدة الأميري هذه, وما إن وصل الخطيب إلى كلمة بابا في القصيدة حتى همس لي صاحبي بالجَنْبِ في أذني يسأل مستنكراً: أليست كلمة بابا أعجمية؟ فأشرت إليه أن لا، وتابعت الاستماع مستمتعاً بالقصيدة والخطبة، ثم بدا لي أن أنبِّه على أصالة هذه الكلمة في العربية فقمت شِبْهَ خطيب, وعلّقت على الأستاذ الأديب, مبيناً أن كلمة بابا عربية الأصل كريمة النِّجار والمَحْتِد مستدلاً بما جاء في المعاجم العربية من أنه: (بأبأ الصبيُّ إذا قال بابا) . وكثر الهمس والتعليق، وتعدّى صاحبي بالجَنب إلى أصيحابٍ جُنُبٍ, بل إلى أساتذة أجلاء, ما كانوا ليوافقوني على ما ذهبت إليه بعد أن أتى عليهم حين من الدهر يسمعون هذه الكلمة تتردد على ألسنة أعجمية أو ترطَن بها ألسنة عامية لا عهد لها بالفصحى وأهلها.
وأدركت لتوّي أن ما سقته من حديث المعاجم في تلك العجالة لم يُجْدِ عندهم نفعاً, ولم يجِدْ لديهم مقنعاً، في أصل كلمة غَبَر على الناس زمان يعتقدون فيه أنها أعجمية تسرّبت إلينا من اللغة الفرنسية (papa) أو من غيرها, بل لقد نادى بعض الخواصّ بإلغاء تعليمها لأطفالنا في مراحل تعليمهم الأولى لما تحمله من أوضار العجمة!
وإن تعجَبْ فعجَبٌ أمرُ مَن يُنكرُ وجود هذه الكلمة في المعاجم العربية، ثم حين يتبدّى له على وجه اليقين أنها موجودة يُعجزه استخراجُها، لأنه لا يعلم من أي باب تخرج أوتحت أيِّ أصلٍ تندرج!. مع أن الأمر في غاية السهولة واليسر، ولو أنه فتح الجزء الأول من معجم اللسان لقرأ في صفحاته الأولى (مادة بأبأ) الكلامَ التالي: