ولذا فإن الاستعمار في القرن الحاضر وما قبله، قد وجد في أصحاب المعتقدات الشاذة عن منهج الإِسلام سنداً قوياً، فأرضى لديهم نزعة حب العلو، وأمدهم بقوته، فمهدوا له السبيل للبقاء، وكانوا شوكة في جنب الإِسلام، يحركهم العدو في الاتجاه، الذي يريده ليحقق بهم غرضه، ويطعن بهم أبناء الإِسلام، ويحارب بهم مبادئ هذا الدين وشريعته.
ومع انتهاء الاستعمار العسكري جاء الاستعمار الفكري، فكانت دراساتهم تخدم ذوي النزعات العقدية، وتسهل لهم الإِثارة، لأنهم أدركوا من مضمون حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"سألت ربي ثلاثاً، فأعطاني اثنتين ومنعني واحدة، سألت ربي أن لا يهلك أمتي بالسنة ؟ فأعطانيها، وسألته أن لا يهلك أمتي بالغرق ؟ فأعطانيها، وسألته أن لا يجعل بأسهم بينهم فمنعنيها". وفي رواية مالك في الموطأ بدل الغرق:"أن لا يظهر عليهم عدواً من غيرهم" [25] .
ومن تحريك النزعات: سواء كانت عقدية أو قبلية، أو طائفية تشتعل فتيلة البأس، وتتوقد نار الفتنة النائمة، فيجدها أعداء الإِسلام في تحريك الأمر من وراء ستار لتكبير الصغير، وتوسيع الخرق الضيّق.
وفي هذا شق لعصا الجماعة، وخروج على أوامر الإِسلام الذي يدعو للاعتصام والتماسك. فقد نهى صلى الله عليه وسلم عن عصبية الجاهلية، وعن التفاخر بالأحساب والأنساب ليجمعهم حول الإِسلام ومكانته في تأليف القلوب، وتوحيد الصفوف، والانصهار تحت قيادة واحدة، والسمع والطاعة لهذه القيادة، ضمن الإِطار الإِسلامي وفي بوتقته.