لقد تميَّز - رحمه الله تعالى - بعلمٍ واسعٍ، وفقهٍ ثاقبٍ؛ فهو بحرٌ لم تكدره الدِّلاء، وكان ذا تَنَسُّكٍ وعبادة، وورعٍ وزهادة.
وورعه - رحمه الله - مشهورٌ بين الناس: يحاسب نفسه على القليل من المال، ويتحرَّى الكسب الحلال، ولو شاء - رحمه الله تعالى - لملك الكثير من الأموال كما فعل غيره؛ فقد أقبلتِ الدنيا عليه، وطلبته المناصبُ العالية؛ لكنَّه أعرض عنها، وحافظ على نفسه من فتنتها، وكلُّ الناس قد أجمعوا على اشتهاره بالورع والتوقِّي، ويكفي دليلاً على ذلك أنه هرب من القضاء، وخلَّص نفسه منه.
بدأ التَّأليف منذ أربعين سنة، وصنَّف عشرات الكتب والرَّسائل، وأملى كثيرًا منَ الدروس والمسائل، وقد اشتهرت مؤلفاته بوضوح العبارة، وحسن الترتيب، وقوة الحُجَّة، واستفاد من مؤلفاته واختياراته كبار العلماءِ، كما درَّسها وتعلَّمها أصاغر الطُّلاب.
وقد جعل الله تعالى لكتبه وفتاويه قبولاً بين علماء المسلمين وعامَّتهم، وتلك علامةُ خيرٍ ودليل قَبولٍ - إن شاء الله تعالى - فإن الله تعالى إذا أحبَّ عبدًا بَسَطَ له القَبول في الأرض، وسخَّر قلوب العباد لمحبَّته.
وهكذا نحسب الشيخ - رحمه الله تعالى - ونظن أنه من المقبولين، ولا نزكِّي على الله أحدًا؛ فكم فُجِع الناس لما تسامعوا بمرضه، ودعوا له بظهر الغيب، وتزاحموا على زيارته، وأكثروا السُّؤال عنه، وما كانوا يرجون منه مالاً ولا جاهًا، ولا يخافون منه سطوةً أو انتقامًا؛ ولكنها المحبة التي داخلت قلوبهم من غير اختيار منهم، وإلا لما فُجعوا به، وحزنوا عليه وبكوه، وقلوب العباد بيد الرحمن، يقلِّبها كيف يشاء.