إن اللغة العربية تعيش اليوم واقعًا معزولاً عن وظيفتها، فلا هي أصبحت أداة للتعليم العالي ولا البحث ولا الفكر، وهو ما يبعدها عن خصائصها ومقوماتها المسايرة دومًا للتقدم الحضاري، بما تتميز به من غزارة، وما لها من تراث عريق، بعيد الأثر في مراحل التاريخ المختلفة، الأمر الذي جعلها لغة التعليم والتعليم لسنوات طوال، نهضت خلالها الأمة العربية نهضة علمية زاهرة بين أمم العالم، وكانت لها الصدارة العالمية بسبب تفوقها العلمي.
لقد أجمع علماء علم النفس اللغوي وعلم اللغة العام وفلاسفة اللغة ومناطقة التحليل اللغوي وسواهم، على العلاقة بين التفكير واللغة، فبعضهم يرى أن التفكير واللغة وجهان لعملة واحدة، والبعض يرى أن التفكير يصوغ اللغة ويؤثر فيها. ومنهم من يرى أن اللغة هي التي تصوغ التفكير وتؤثر فيه. فهل يمكن لأمة أن تنمي تفكيرها العلمي الأصيل وتوسعه وتجعله قادرًا على الابتكار دون لغتها؟
إن تعريب العلوم لا ينقص من قيمتها، بل إنه في رأينا يرفع شأنها ومستواها، فالشخص الذي يتعلم أحد العلوم بلغته، يعمل على نقل ما تعلمه إلى هذه اللغة، وإننا قد نقبل أن تدخل اللغة الأجنبية بيوتنا وجامعاتنا ومعاهدنا العلمية، لكي نتعلم من كل ماهو جديد في العالم، ونعبر عنه بلغتنا القومية حتى لا تضيع، فالانفتاح على الحضارات والثقافات والعلوم الحديثة والمتطورة بات واجبًا قوميًا مع الحفاظ على هويتنا، وهو ما يحفظ لنا قوميتنا وكرامتنا العربية شامخة دائمًا بين الأمم.