وصفوة القول، أن الدعوة إلى استخدام اللغة العربية في التعليم الجامعي والعالي، لا تعني أبدًا إهمال اللغة الأجنبية أو التقليل من شأنها، بل هي مقترنة دومًا بالدعوة إلى وجوب إتقان لغة أجنبية واحدة على الأقل، لاتخاذها أساسًا لاستمرار الاتصال بالتطور العلمي والتقني العالمي، والتمكن من إكمال الدراسات العليا والتخصصية، ونشر البحوث العلمية في المجلات والدوريات العلمية العالمية. إن هناك فارقًا كبيرًا بين تعلم لغة أجنبية لكي تثري حضارتنا وثقافتنا، وبين أن نتعلمها لكي تحل محل لغتنا وتحيلنا إلى مسخ شائه.
إن العلم والتكنولوجيا عالميان، وليس بالإمكان توطينهما في بلد إلا بلغة ذلك البلد، كما أن العالمية لا تظهر إلا من خلال المحلية، وخبرات الأمم والبلدان المتقدمة خير شاهد ودليل على هذا المنطق، فمما ساعد اليابان على أن ترقى بصناعتها خلال نصف قرن، أنها وضعت بين أيدي العمال والفنيين أحدث النظريات التطبيقية، في الصناعة الأمريكية والأوربية بلغتهم القومية، كذلك أخذت روسيا العلوم الغربية بما فيها من مصطلحات وكتبتها بحروفها السلافية. والصين أيضًا قد أخذت علومهم ومصطلحاتهم وكتبتها بحروف صينية، كما أن إنجازات الطلاب الألمان أو الإيطاليين أو المجريين أو من سواهم ممن يتابعون دراستهم في أمريكا أو فرنسا أو بريطانيا، تشهد على أن الدراسة العلمية باللغة الأم، ما كانت أبدًا عقبة أمام متابعة التخصص الجامعي بلغة أخرى، لا يستغرق الإعداد لها أكثر من عام واحد.
لقد نجح التغريبيون إلى أبعد مدى في محاصرة اللغة العربية في مدارسنا، وفي جامعاتنا الرسمية والخاصة، وإنه لمن المؤسف والمحزن أن المدارس الأجنبية الخاصة التي يلتحق بها أبناء النخبة، تقدم كل شيء باللغة الإنجليزية أو الفرنسية، وهذا أمر في غاية الخطورة على وطننا سياسيًا وثقافيًا واجتماعيًا.