فهرس الكتاب

الصفحة 6363 من 19127

روى المبرد في الكامل أن رجلاً قال لخالد بن صفوان: إنك لتُكثر! فقال: أُكثر لضربين: أحدهما فيما لا تغني فيه القلة، والآخر لتمرين اللسان، فإن حبسه يورث العُقلة. وكان خالد يقول: لا تكون بليغًا حتى تكلم أمتك السوداء في الليلة الظلماء في الحاجة المهمة بما تتكلم به في نادي قومك، فإنما اللسان عضو إذا مرَّنته مَرَن، وإذا أهملته خار، كاليد التي تخشنها بالممارسة، والبدن الذي تقويه برفع الحجر وما أشبهه، والرِّجل إذا عُوِّدت المشيَ مشت [34] .

ومما لا شكَّ فيه أن الخطابة ضرب من ضروب الفصاحة، بل هي مرتع خصب لها، وميدان واسع تتبدى مهارة الفصاحة من خلاله، والخطيب لا يغدو خطيبًا مصقعًا إلاَّ بمواصلة الدربة والتمرين، ومزاولة الخطابة والتمرس بأصولها والتدرب على فنونها، وما عرف عن خطيب أنه بلغ شأوًا في الخطابة متميزًا إلاَّ بعد طول دربة وتمرين وصقل، بالإضافة إلى ما حصَّله من علم ومعرفة، وما اكتسبه من ملكة وطبع.

جاء في زهر الآداب أن أبا داود كان يقول: (( رأس الخطابة الطبع، وعمودها الدربة، وجناحاها رواية الكلام، وحَلْيُها الإعراب، وبهاؤها تخيّر اللفظ، والمحبة مقرونة بقلة الاستكراه ) ) [35] .

وجاء في البيان والتبيين: (( ... وطول الصمت يفسد اللسان، وقال بكر بن عبد الله المزني: (( طول الصمت حُبْسة ) )وقال عمر بن الخطاب رحمه الله: (( ترك الحركة عُقلَة ) )، وإذا ترك الإنسان القول ماتت خواطره، وتبلَّدت نفسه، وفسَد حِسُّه، وكانوا يروُّون صبيانهم الأرجاز، ويعلمونهم المناقلات، ويأمرونهم برفع الصوت وتحقيق الإعراب، لأن ذلك يفتق اللَّهاة، ويفتح الجِرْم [أي الحلق] ، واللسان إذا أكثرت تقليبه رقَّ ولانَ، وإذا أقللت تقليبه وأطلت إسكاته جسأ وغلط. وقال عَبَايةُ الجُعْفي: (( لولا الدُّرْبة وسوء العادة لأمرت فتياننا أن يماري بعضُهم بعضًا ) ).

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت