فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
وأية جارحة منعتها الحركة، ولم تمرِّنها على الاعتمال، أصابها من التعقُّد على حسب ذلك المنع، ولمَ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم للنابغة الجعدي: (( لا يفضُض اللهُ فاك ) )؟ ولمَ قال لكعب ابن مالك: (( ما نسي الله لك مقالك ذلك ) )؟ ولم قال لهيذان بن شيخ: (( ربَّ خطيب من عبس ) )؟ ولمَ قال لحسان: (( هيِّجِ الغطاريف على بني عبد مناف، والله لشعرك أشدُّ عليهم من وقع السهام في غَبَش الظلام ) ) [36] .
وقد يتساءَل المرء أين يمارس مثل هذه الفصاحة؟ ومتى يزاولها ومع مَن يستطيع التدرُّب؟ وأنى له ذلك في هذا الزمن الذي بعد أهله عن الفصاحة والبيان؟
والجواب أن خير مكان لمزاولة الفصاحة هو المدرسة والجامعة وحِلَق العلم وأندية الثقافة وما أشبه ذلك، حيث ترتفع سوية الكلام، لتلائم شرف المعاني المطروحة، فالعلم على اختلاف أنواعه واختصاصاته، لا يليق به أن يعالج بلغة مبتذلة سوقيّة تحاكي لغة العامة في لهوهم وأسواقهم ولغطهم، وإنما يليق به أن ترتفع سوية الكلام وترقى العبارة إلى مدارج الفصاحة والبيان، مما يرقى بالعلم ويسمو به وبأهله، ويكون أنفع للطالب وأجدى له.
وكثيرًا ما يتساءل المربُّون: لماذا انحدرت سوية التعليم عن ذي قبل؟ وما أسباب ضعف الطلبة والخريجين في العربية بعد طول قوة؟ والجواب يكمن في طريقة تدريسهم التي تغيرت واستبدل فيها الذي هو أدنى بالذي هو خير، أجل فقد غدت العاميات المبتذلة وسيلة تدريس العلوم المختلفة، حتى اللغة العربية!! فهي تدرس في كثير من المدارس والجامعات بلهجة عامية أحيانًا وبلغة ركيكة ليست من الفصاحة في شيء أحيانًا أخرى! فكيف يكتسب الطالب فصاحةً؟ وأنَّى له بها؟!