فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
وكان من أثر هذا الاحتكاك أن بدأت دعوات خافتة، ثم جهرية - متفرقة، ثم مجتمعة - إلى حركة فكرية يفتح فيها الباب لذوي الطموح العلمي، كي يتنافسوا في مجالات المعرفة ليرسموا للغرب طرق حياة أفضل.
وهذا ما يعني أن ينطلق الفكر الغربي من إطار الكنيسة، أي: أن يتحرر منها.
وكان مما تنادي به هذه الدعوات: أن هناك حقائق يمكن أن يصل إليها الإنسان بعقله، كما أن هناك حقائق مصدرها الدين.
ولكن رجال الكنيسة رفضوا هذه الدعوات، وحرمت كتب الفكر الخارجية عن دائرة الكنيسة، ومنع تدريسها، وحورب مؤلفوها، خاصة منهم الذين أعلنوا بعض النظريات الفلكية، أو الجغرافية المخالفة لما قررته الكنيسة في كتبها ممّا استقته في الفلكيين والجغرافيين القدماء.
وكان هذا الرفض للعلم، والحرب لرجاله من قبل رجال الكنيسة، مما أثار ثائرة رجال الفكر، فاشتدوا في وجهتهم مراغمين الكنيسة ورجالها، ثم تراجعت الكنيسة بعد اشتداد الاتجاه المقابل، حتى اعترف بعض رجال الكنيسة، مثل (روجربيكون 1292م) [7] بأن سلطان الكنيسة يقتصر على العلوم الدينية المتعلقة بالآخرة.. أمّا العلوم الدنيوية المتعلقة بمصالح الإنسان في هذه الحياة فمناطها الفكر البشري.
وهكذا توزع حياة الإنسان مصدران، هما: الدين، والفكر البشري، وإذا كان الدين يتمثل في تعاليم ثابتة، فإن الفكر البشري متطور متغير.
الإنسان وعصرانيته:
هذا التغير المتجدد في فكر الإنسان وحركته جارٍ في إطار الزمن، ومن هنا كان لكل فكرٍ بشري في كل عصر مستوى معين، وخصائص مميزة عن سابقه، فإذا نادى الموافقون تجاه أتباع الدين الداعين إلى اعتماد الوحي الإلهي إلى اتباع الفكر - كما يسمى في عصرنا - أو العقل - كما في العصر العباسي - فإنما ينادون إلى اتباع فكر معينَّ هو الذي يسود عصرهم [8] .
ولهذا كانوا يستغنون - أحياناً - عن ذكر الفكر، داعين إلى مجاراة العصر والتمشي، معه.