فهرس الكتاب

الصفحة 6393 من 19127

وهكذا صار هناك دين له علمه ورجاله، وواقع له فكره ورجاله.

ولكن الوضع لم يبقى على هذا التقسيم.

لقد تدخل الفكر في دين الكنيسة فبحث فيه - أي: بحث في كتبه المقدسة - كما فعل (أبيلاردت 1142م) رغم أنه من رجال الكنيسة في كتاب له عنوانه (نعم ولا) أثبت فيه تناقضات الكتاب المقدس، والتحريف الذي جرى له [9] .

واستمر هذا النقد يوهي من قيمة كتب الدين ووثاقة تعاليمها، حتى فقدت أي قيمة علمية، وأصبح العلم محصوراً فيما يصدر عن الفكر البشري معالجاً الواقع، فقيل: العلم، والدين، على أنهما متقابلان.

بل جُعل من الموضوعية التي تضفي على الفكر قيمة علمية تُحرر الباحث من مشاعره الدينية، وعقائده، سوى مما اعترف، العلم التجريبي منها.

ولعل هذه الصورة من العصرانية هي ما يرمى إليه من سماها بالعلمانية قاصداً نسبة هذا التيار إلى العلم.

ولكنها لم تبق في نطاق العلم، والمعارف التجريبية، فقامت الدعوات التي تنادي بفصل السياسة عن الدين الكنسي لتكون مسيرة بحسب المطالب التي يقتضيها !العصر، فصار ما يسمى بالسلطة الزمنية في مقابل السلطة الروحية والدينية، وتوالت النظريات السياسية التي تنتزع السلطة من يد رجال الدين الكنسي لتضعها في يد رجال السياسة حيث تكون السيادة التشريعية والرقابة على التنفيذ متداولة بين البشر بعيداً عن الله وعن الدين والتعاليم المنسوبة إليه، ولعل من أشهر هذه النظريات - الميكافيلية، والعقد الاجتماعي [10] .

ومثل عصرانية السياسة عصرانيات الأخلاق، والاقتصاد، والاجتماع، بل والعصرانية الدينية التي اشتهت أكثر من غيرها باسم العصرانية، وقد تمثلت في حركات لدى يهودٍ ونصارى تحاول تحوير مبادئ الدين الذي تنتسب إليه إلى ما يتواءم مع العصر الحاضر - بالنسبة لهم - بفلسفاته وقوانينه الفكرية والتطبيقية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت