فهرس الكتاب

الصفحة 6396 من 19127

ومن ثم بقيت النصرانية الهوية المميزة للأوروبيين، والعمق الوجداني الذي تبرز متأثرة به رؤاهم وفنونهم واتجاهاتهم، وهذا ما يعبر عنه الناقد المشهور؟ (ت.س.إليوت) في قوله:"في المسيحية نمت فنوننا وفي المسيحية تأصلت - إلى عهد قريب - قوانين أوروبا، وليس لتفكيرنا كله معنى، أو دلالة خارج الإطار المسيحي، وقد لا يؤمن فرد أوروبي بأن العقيدة المسيحية صحيحة، ولكن كل ما يقوله، ويفعله يأتيه من تراثه في الثقافة المسيحية، ويعتمد في معناه على تلك الثقافة".

ويقول بعد ذلك:"إذا ذهبت المسيحية فستذهب كل ثقافتنا" [15] .

بل إن نيتشه اعتبر الشيوعية امتداداً لثقافة أوروبا المسيحية، لأنها أزمة في هذه الثقافة، أو حسب تعبيره الإبنة غير الشرعية للحضارة المسيحية، وأنها ستعود للانتماء لهذه الحضارة يوماً ما - المصدر نفسه - هذا فضلاً عن التوظيف السياسي والثقافي للدين الكنسي في فرض هيمنة الحضارة الأوروبية على الشعوب الأخرى من خلال الغزو التنصيري الرهيب [16] .

وهذا الموقف الذي يبدو فيه الاضطراب تجاه الدين قبولاً ورفضاً، تشبثاً ونفوراً منطقي - من وجهة نظري - وإن غابت عن كثير منهم منطقيته، لأن الدين الكنسي لديهم يحمل حقاً وباطلاً:

-حقاً يبرد ولو شيئاً قليلاً من ظمأ الفطرة الإنسانية الذي تزيده المذاهب المادية والإلحادية عطشاً، وغليلاً [17] .

-وباطلاً تنفر منه الفطرة، ويصطدم بالعقل والواقع، ومن ثم يحدث انفصاماً بين عقل الإنسان وإيمانه بهذا الدين [18] .

هذا فضلاً عن النقص في الكتاب المقدس فيما يتعلق بالتشريعات السياسية والاقتصادية والاجتماعية سوى تحكمات كلية وضعها رجال الكنيسة لإحكام قبضتهم على الحياة والأحياء في أوروبا - في عهد الكنيسة -.

لذا كان لابد لهم من الحركة خارج الدين لتقوم حياتهم وترتقي.

لعله يقال هنا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت