فهرس الكتاب

الصفحة 6416 من 19127

ومن جانب آخر: فإن المواقف الانفعالية لبعض العامة من المسلمين في عدد من البيئات إزاء كل ما كانت تقذف به مدنية الغرب من مستجدات في بدايات انفتاح تلك البيئات على الغرب، والمتسمة بالرفض لها، والتحذير منها بصفتها مستحدثات لم تعهد في بيئاتهم، ولم يسمعوا عنها في تراثهم الإسلامي، وقد يتصورها بعضهم داخلة في مسمى البدعة، التي تعرض الآخذ بها إلى نقص إيمانه وثلم دينه، ولعل ارتباطها بغير المسلمين تصنيعاً، وبغير الملتزمين من أبناء المسلمين ترويجاً، واستخداماً - أول الأمر - قوَّى تلك الشبهة.

هذه المواقف أوحت للناشئة الصغار - بخاصة - أن القضية دينّ ومسجد، ومن ثم هروب من الحياة المتدفقة، أو بالمقابل انفلات من الدين، ومن ثم انفتاح على الحياة، ومشاركة في تيارها المغري.

هذه الصورة التي يتمثل فيها الفصام الحاد بين الدين والحياة، قد تتمثل بهذه البشاعة في حياة بعض الناس، فيغرقون أنفسهم في تيار الدنيا غير رافعين بالدين رأساً، إمّا منسلخين منه تماماً، أو دون ذلك، فقد يصلي - مثلاً - بعض من تتمثل فيه هذه الظاهرة، لأنه لا يسعه - ما دام جيرانه وأبناءه وإخوانه ومن حولة يصلون - إلا أن يصلي حتى تصبح الصلاة عنده بالتعود شيئاً قائماً في حياته، فيصلي ولو كان وحده، وقد يصوم - أيضاً - ولكن حياته بعد الصلاة حياة لا إسلامية تماماً، حيث يظل ساهياً لأهياً مستحلاً لكثير من المحرمات، ساخراً بشعائر الدين ودعاته، فكأن صلاته تلك مجرد وقفة روتينية في سيره البعيد عن الله، بل قد يشعر بثقلها على نفسه، وَقطعها تواصل غفلته، فيعتبرها عَقَبه في طريقه، لا مجرد وقفة، ومن ثم تصبح تلك الصلاة الشكلية نشازاً في حركته، غير مؤثرة في سلوكه، ولا رابطة له بربه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت