وكان في محطَّات حياة الشيخين كثيرٌ من التَّشابه، فالشيخ محمد الطاهر تولى مشيخة الجامع الزيتوني، في حين تولى الشيخ محمد الخضر حسين مشيخة الجامع الأزهر، وكان كلاهما من المعتنين بالأدب إلى جانب العلوم الشَّرعية، وتولى الاثنان الردَّ على الشيخ علي عبد الرزَّاق في كتابه (الإسلام وأصول الحكم) .
وهذه العلاقة جسَّدها الرجلان بقصائدَ ومراسلات، منها: أنه لمَّا تولى الشيخ محمد الطَّاهر التَّدريس بجامع الزيتونة، هنَّأه الشيخ محمد الخضر بقصيدة مطلعها:
مَساعي الوَرى شَتَّى وكلٌّ لهُ مَرمى ومَسعى ابنِ عاشُورٍ لهُ الأَمَدُ الأَسْمى
فَتًى آنَسَ الآدابَ أَوَّلَ نَشئِهِ فكانَت لهُ رُوحاً وكان لها جِسْما
وبعد هجرة الشيخ محمد الخضر حسين إلى دمشق، بعث صديقُه قاضي القضاة بتونس وقتئذ الشيخ محمد الطاَّهر رسالةً مصدَّرةً بأبيات منها:
بَعُدتَ ونفسي في لِقاكَ تَصيدُ فلم يُغنِ عنها في الحنانِ قَصيدُ
وخَلَّفتَ ما بينَ الجوانحِ غصَّةً لها بينَ أحشاءِ الضُّلوعِ وَقودُ
فأجابه الشيخ محمد الخضر بقصيدة مطلعها:
أَيَنعَمُ لي بالٌ وأنتَ بعيدُ وأَسلو بطَيفٍ والمنامُ شَريدُ؟
إذا أَجَّجَت ذِكراكَ شَوقيَ أَخضَلَت لَعَمري -بدَمعِ المُقلَتَينِ- خُدودُ
بَعُدتُ بجُثماني ورُوحي رَهينةٌ لدَيكَ ولِلوُدِّ الصَّميمِ قُيودُ
أوليَّاته:
للشيخ محمد الطَّاهر ابن عاشور أوليَّات تمثِّل مظهراً من مظاهر تميُّزه رحمه الله وهي:
• أوَّل من فسَّر القرآن كاملاً في إفريقيَّة، وذلك في كتابه (التَّحرير والتَّنوير) .
• وهو أوَّل من جمع بين منصب شيخ الإسلام المالكي وشيخ الجامع الأعظم (الزيتونة) . وأول من سمِّي شيخاً للجامع الأعظم.
• وأوَّل من تقلَّد جائزة الدولة التقديريَّة للدولة التونسيَّة، ونال وسام الاستحقاق الثَّقافي سنة 1968م.
• وهو أوَّل من أحيا التَّصانيف في مقاصد الشَّريعة في العصر الحديث بعد العز بن عبدالسلام (660هـ) والشاطبي (790هـ) .