فهرس الكتاب

الصفحة 6960 من 19127

كشف هذا الفرح عن كذب المنافقين, وكشف كذلك عن كراهيتهم لهذا الدين؛ إذ لو كان في قلوبهم إيمان، لبكوا بسبب تخلفهم عن الغزو مع الرسول - صلى الله عليه وسلم - كما حصل لذاك النفر: {إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَناً أَلاَّ يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ} [التوبة:92] .

إن البكاء من هؤلاء بسبب عدم الخروج علامةُ صدق وإيمان، كما كان الفرحُ من أولئك للسبب نفسه - وهو عدم الخروج - علامةَ كفر ونفاق, وقد توعدهم الله تعالى: {فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلاً وَلْيَبْكُوا كَثِيراً جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ} [التوبة: 82] , والضحك هنا كناية عن الفرح, أو أريد ضحكهم فرحاً؛ لاعتقادهم ترويج حيلتهم على النبي - صلى الله عليه وسلم.

جمع المنافقون إلى الفرح - الدال على الجبن, والحرص على السلامة مهما كان الثمن - الشماتةَ، وهي لا تنفك عن الفرح المذموم؛ فإن الشماتة - كما قرر علماء النفس [1, ص194] : الفرح بشرٍّ ينال الغير، ولا تصدر عن فاضل قط.

يفرح المنافقون، إذا مسَّ المسلمين قَرْح, أو نزلت بهم نكسة, وتبدو عليهم مظاهر الإعجاب؛ لأنهم احتاطوا لأنفسهم، فنجوا وأصيب غيرهم: {إِنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ يَقُولُوا قَدْ أَخَذْنَا أَمْرَنَا مِنْ قَبْلُ وَيَتَوَلَّوْا وَهُمْ فَرِحُونَ} [التوبة:50] .

بئس الفرح هذا الممزوج بالعُجْب والشماتة, والذي ينم عن عدم إيمان بالقضاء والقدر, وعن حقد على الرسول - صلى الله عليه وسلم - وصحبه الكرام, وعن تمني الهلاك لهم, وكلُّ هذه القبائح كشف عنها الفرح المذموم في هذه المواطن.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت