فهرس الكتاب

الصفحة 6969 من 19127

الأولى: كانت الفئةَ المؤمنة، التي لا تشغلها زخارف الدنيا ولا الفرح بها عن القيم العليا والدار الآخرة, فانبرت هذه الفئة إلى قارون ومن فُتِن به واعظةً ومحذرة: {لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ} ، {وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ} [القصص:77] ، والفَرِح بكسر الراء: مَن أكثر من الفرَح، وتخلَّق به على الدوام [32, جـ2, ص 299 بتصرف] , حتى يصير خُلُقاً فيه, فينقلب من انفعال نفسي معفوٍّ عنه إلى صفة مذمومة بآثارها.

فرّق بعض العلماء - كالفراء [46, جـ2,ص 311] - بين الفرِح والفارح بما يدل على أن الفرِح أكثر تلبُّساً في الفعل, فهو صفة مبالغة [44, جـ2, ص385] , ونقل الآلوسي [23,جـ19, ص 112؛ 24, جـ7, ص 133] عن عيسى بن سليمان الحجازي أنه قرأ (الفارحين) بالألف؛ مما يدل على أن للتفريق أصلاً معتبراً.

إن عامة المفسرين، وإن لم يشيروا إلى هذا الفرق, إلا أنهم فسروا لفظة"الفرِح"في الآية بما يتسق مع التفريق المتقدم.

ذكر الطبري [38, جـ20,ص 70] عن ابن عباس:"الفرحين: المرحين", وعن مجاهد:"المتبذخين، الأشرين، البطرين", وعند القرطبي [3, جـ31, ص413] عن مجاهد:"الباغين", وعن ابن بحر:"لا تبخل؛ إن الله لا يحب الباخلين", وعن بشر بن عبد الله:"لا تفرح: لا تفسد".

إن موعظة القوم لقارون كانت معتدلةً متزنة, فإنه لم يُنْهَ عن الفرح المعتدل، الذي لا يُنسي الشكر, وإنما وُجّه النهي إلى الفرح المبالغ فيه، والذي يُفضي إلى الفساد والبطر, وهو ما عبر عنه المفسرون بعبارات متنوعة.

إن هذا المعنى ينتظم مع التوجه العام للقرآن في حديثه عن الفرح, حين لم يذمَّ القرآن الفرح لذاته؛ وإنما لمتعلقه، كما هو الشأن في قصة قارون.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت