فهرس الكتاب

الصفحة 6971 من 19127

إن الصبر المكتسب والمأمور به شرعاً خيرُ ضابط لانفعالات الإنسان, وأفضل معين على زينة الدنيا وفتنتها, والصبر أكمل وأكثر نفعاً من الضوابط التي وضعها الفلاسفة وعلماء النفس, والتي سبقت الإشارة إليها: كالمكابدة, وقوة الإرادة, وقوة التفكير, مع الإقرار بأن الصبر يتضمنها.

{فَخَرَجَ عَلَى قَومِهِ في زِينَتِهِ} [القصص:79] , والتعبير بعلى يتضمن معنى التكبر والتطاول, حمله فرحه على المرح، فأظهر ماله, وعرض زينته, وصاحب هذا ازدراءٌ لقومه؛ لأنهم لا يملكون ما يملك.

عاجل الله تعالى قارون - وهو على هذه الحالة - بعقوبة عجيبة مخيفة {فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الأَرْضَ} [القصص:81] ، وهو نص يلقي ظلالُه رهبةً في النفوس, فيحسن أن نتركه دون تفصيل, خلافاً لجمع من المفسرين، أتوا في هذا المقام بكلام لا خطام له ولا زمام, خسف به وبدراه الأرض وكفى؛ لأنه أنموذج خطر على المجتمعات، وفتنة ظاهرة كان في هلاكه تقويم لمفاهيم كاد يعصف بها الفرح المذموم, لولا أن عاجَلَ الله قارون بالخسف, وخسف معه هذه التصورات الباطلة.

لقد ظهر هذا في تراجع الفئة التي فتنت بقارون حين أمسوا مفتونين، وأصبحوا نادمين {وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكَانَهُ بِالْأَمْسِ يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَوْلَا أَن مَّنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا لَخَسَفَ بِنَا وَيْكَأَنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ} [القصص:82] ، ذُكرت قصة قارون في سورة مكية, تلاها المسلمون في مكة، يوم أن كان الصراع على أشده, فكانت مناسبةً لما كان عليه بعض كفار قريش - كالوليد بن المغيرة - من تطاولٍ على الرسول والرسالة, وسخرية بالمسلمين بسبب كثرة ماله وعياله: {أَنْ كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ*إِذَا تُتْلَى عَلَيهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ} [القلم:14-15] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت