ومن عظيم ما يغفل عنه كثير من الناس في هذا الباب: القرض الحسن، وإنظار المعسر، والتخفيف عليه، والوضع عنه؛ حتى إن هذه السنة تكاد لا توجد في الناس بسبب الجهل بفضلها، ولأن كثيرا ممن يقترضون لا يؤدون ما عليهم، ففقد الناس الثقة فيما بينهم، ثم تسللت البدائل المادية الرأسمالية التي لا تعرف القرض إلا بالربح المادي، مع الاحتيال بالالتفاف على أحكام الشريعة، وإيجاد الصيغ والحلول لتلافي الربا الصريح، والخروج من المعاملات المحرمة، التي عمت أرجاء الأرض. وكثير من تلك الحلول إن سلمت من الحرام الواضح فلن تخرج عن دائرة المشتبه الذي أمر المسلم باجتنابه؛ اتقاء لدينه وعرضه، ولو أن القرض الحسن أشيع في الناس لقضي على كثير من مظاهر الفقر والسؤال، ولتلاشت كثير من المعاملات الربوية، ولزالت صور البيع الفاسدة التي عمت وطمت، وأفسدت الأموال، ومحقت بركتها، وهي مؤذنة بعقوبات عاجلة وآجلة, نسأل العفو والسلامة.
إن من قرأ السنة النبوية، ورأى ما رتب على القرض الحسن من الأجور العظيمة، وهو مصدق بذلك، وليس له في هذا المجال من نصيب سيندم على أجور عظيمة فاتته فيما مضى، ليس ما ينتجه من أرباح دنيوية في أمواله مهما بلغت شيئا يذكر عندها!!
فالقرض الحسن معدود في الصدقة بمقتضى قول النبي صلى الله عليه وسلم: (كل قرض صدقة) رواه الطبراني.
ولذا كان المقرض كالمتصدق مع أن ماله يرجع إليه؛ كما روى ابن أذنان رحمه الله تعالى فقال: (أسلفت علقمة ألفي درهم فلما خرج عطاؤه قلت له: أقضني، قال: أخرني إلى قابل، فأتيت عليه فأخذتها، قال: فأتيته بعد، قال: برحت بي وقد منعتني - أي: عزمت علي في أخذها لما حان أجلها ولم تؤخرني - فقلت: نعم هو عملك، قال: وما شأني؟ قلت: إنك حدثتني عن ابن مسعود أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إن السلف يجري مجرى شطر الصدقة، قال: نعم فهو كذاك قال: فخذ الآن) رواه أحمد وصححه ابن حبان.