فهرس الكتاب

الصفحة 7281 من 19127

رأينا كيف أن القائلين بعد المؤاخذة على القصد المجرد عن الفعل لم يستطيعوا أن يدللوا على ما ذهبوا إليه، وأن دليلهم الذي أتوا به لم يثبت في مجال التمحيص والنقاش، لذا فقد ذهب ابن الباقلاني إلى القول بالمؤاخذة على العزم، وتابعه القاضي عياض [270] وقال:

"عامة السلف وأهل العلم على ما قال ابن [الباقلاني] ، لاتفاقهم على المؤاخذة بأعمال القلوب" [271] .

ومثل ذلك قال القرطبي [272] :

"وهذا المذهب الذي صار إليه القاضي هو الذي عليه عامة السلف، وأهل العلم من الفقهاء والمحدثين والمتكلمين" [273] .

ووصف ابن السبكي القائلين به بأنهم أهل التحقيق (( وأمّا العزم فالمحققون على أنه يؤاخذ به ) ) [274] وسأل ابن مبارك [275] سفيان الثوري [276] : (( أيؤاخذ العبد بما يهم به؟ قال: إذا جزم بذلك ) ) [277] .

أدلة القائلين بالمؤاخذة:

قبل أن نذكر أدلتهم نقول إن مرادنا بالإرادة الجازمة ما نسميه القصد والنية، والعزم والإرادة الجازمة هي التي يجب وقوع الفعل معها إذا كانت القدرة حاصلة، فإنه متى وجدت الإرادة الجازمة مع القدرة التامة وجب وجود الفعل، لكمال وجود المقتضى السالم عن المعارض المقاوم.

ومتى وجدت الإرادة والقدرة التامة، ولم يقع الفعل لم تكن الإرادة جازمة. في حين أن البعض الآخر قدروا إرادة جازمة للفعل لا يقترن بها شيء من الفعل، وهذا لا يكون، وإنما يكون في العزم على أن يفعل، فقد يعزم على الفعل في المستقبل من لا يفعل منه شيئاً في الحال، والعزم على أن يفعل في المستقبل لا يكفي في وجود الفعل، بل لابد عند وجوده من حدوث تمام الإرادة المستلزمة للفعل، وهذه هي الإرادة الجازمة [278] .

وقد استدل القائلون بالمؤاخذة على القصد الجازم الذي لا فعل معه بأدلة كثيرة تدل أنه بمنزلة الفاعل التام في الإثابة والعقوبة، ومن هذه الأدلة:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت