فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
والقول الثاني: ما ذهب إليه أبو هاشم الجبائي [321] : بأن الترك لا يسمى فعلاً محتجاً بأن من دعاه الداعي إلى الزنا فلم يفعله، فإن العقلاء يمدحونه على أنه لم يزن من غير أن يخطر ببالهم فعل ضد الزنا، فعلمنا أن هذا العدم يصلح أن يكون متعلق التكليف.
الترجيح:
الصحيح ما ذهب إليه الجمهور وهو أن الترك فعل، فإن العقلاء لا يمدحونه على شيء لا يكون في وسعه، والعدم الأصلي يمتنع أن يكون في وسعه، بل إنما يمدحونه على امتناعه من ذلك الفعل، وذلك الامتناع أمر وجودي، وهو المراد بأن عليه أن يفعل ضد الزنا [322] .
فتقرر أن يكون هذا الترك فعل وهو ترك ما نهي عنه، وسمى الفقهاء ما نهى عن فعله بأفعال التروك.
ج - نية الترك: وإذا كان القول المعتمد [323] عند أهل العلم فإن النواهي من باب التروك، وأن الترك فعل فهل يحتاج إلى نية؟ أو لا يحتاج إلى نية؟
1 -ذهب الجمهور من أهل العلم [324] إلى أن الترك لا يحتاج إلى نية. كترك الزنا وغيره، لحصول المقصود منها وهو اجتناب المنهي بكونه لم يوجد وإن لم يكن نية [325] .
2 -وذهب بعض أهل العلم من أصحاب الشافعي [326] وأحمد [327] إلى جعل النية في التروك قياسياً على الأفعال المأمور بها كرفع الحدث وهو قول شاذ. مخالف للإجماع السابق مع مخالفته لأئمة المذاهب، وإنما قيل هذا من ضيق المجال في المناظرة [328] .
الترجيح:
الصحيح هو القول الأول وهو أن الترك لا يحتاج إلى نية، وهو ما تقرر عند عامة أهل العلم كما تضمنه كلام شيخ الإسلام وهو الحق.
ووجهه: أننا أمرنا باجتناب ما نهينا عنه جملة، ولم نكلف باستحضاره واستذكاره، ثم ننوي اجتنابه، وذلك أن في مثل هذا مشقة بالغة، بل قد يكون تكليفاً بما لا يطاق، وذلك أن كثيراً من المنهيات لا تخطر ببال المكلف، ولو كانت النية تلزم المكلف في ترك ما نهي عنه، وإلا كان آثماً لكان ذلك عنده بالحرج والمشقة التي تنزهت عنهما شريعة الإسلام.