أما بعد، فصحيحٌ أن الآيات تنزَّلت في شأن الجهاد يوم أُحُد، ولكن دلالة المعلم القرآني تتسع وتتسع، وتنذر وتحذِّر من أن القعود المتولِّد عن التماس المعاذير المتعجِّلة، عن أيِّ خطوةٍ من خطوات إحكام البناء الأمثل في ظلِّ شريعة الإسلام بأصولها وفروعها ومقاصدها العظيمة؛ مرفوض بحكم العقيدة والدِّين {أفإن مات أو قُتل انقلبتم على أعقابكم} ذلك بالنهاية سنَّة من سنن الله {إنَّك ميِّت وإنَّهم ميِّتون} ..
ألا إن هذا المعلم القرآني بما يدعو إلى التَّحرك المنهجي المنضبط في ضوء الإيمان بما عند الله، وفي ظل قيم الإسلام ومبادئه التي تستعلي على محدودية الزَّمان والمكان والأشخاص: يحمل قضية كبرى مصحوبة ببرهانها المتمثِّل في أنَّ على كلِّ مكلَّف في دنيا المسلمين - ذكراً كان أم أنثى - تبعة الإسهام في بناء القوَّة الذَّاتية للأمَّة من حيث الطَّاقاتُ البشرية والاقتصادية والفكرية؛ لأن الرِّسالة هي الرِّسالة، ولأن الأمانة هي الأمانة، وحين تتفتَّح البصائر يتبدَّى للناظر المتدبِّر كأن هذا المعلم القرآني تتنزَّل كلماته غضَّةً طريةً اليوم لتشدَّ على يد الأمة في مُعترَكها ضد التخلُّف وسلطان المعتدين.
ويقول في نبأ الفتية المؤمنينَ أصحاب الكهف:
رأيتني وهذه الكلمات يجري بها قلمي الضَّعيف، بعد أن تأمَّلت فواتحَ سورة الكهف وخواتمها والآيات التي كانت واسطة العِقد بين الفواتح والقصَّة!