فالذي يبدو من خلال التَّصور الإيماني الدَّقيق لعملية البناء الجذري الذي تحكمه ضوابط الكلمة الطَّيبة (( لا إله إلا الله محمَّد رسول الله ) )في المجتمع.. البناء الذي لا بدَّ أن يسبقه التَّعفية على عقابيل الضَّلال إزالةً للعوائق، حيث تكون جولة الباطل هي المستحكمة: أن عناية القرآن بإبراز المقوِّمات الأولى لوجود أولئك الفتية المؤمنين المنعَم عليهم بزيادة الهدى، الذين قالوا: لا - بملْءِ أفواههم - في وجه الوثنية. وقالوا: لا -بكل شجاعة واعتزاز - في وجه الطُّغيان والفساد، وفوضى الفكر والعمل في المجتمع.. أن هذه العناية - بأسلوبها المعجِز - جزء من الصُّورة في إبراز ما اتَّصف به أولئك النَّفر من الشَّباب الذين يواجهون الحياة وهم في مُقتبل العمر!! حين واجهوا الواقع بثبات لا يعوزه الرضا وطمأنينة التَّسليم لأمر الله!
فهم فتيةٌ شرح الله صدورهم للإيمان بربِّهم، ذلك الإيمان المكين. وعلم -جلَّ شأنه- صدق هذا الإيمان وإخلاصهم فيه، فزادهم هدىً، وربط على قلوبهم، في مواجهة الباطل وأهله؛ فكانوا - بحقٍّ - النَّموذج الأمثل للشَّباب المؤمن الواعي، الذي لا يصرفه عن الموقف الإيماني صارفُ رَغَبٍ دنيويٍّ ولا رَهَب. وكل ما يطمح إليه: الظَّفر بمرضاة الله تعالى، وحسن العاقبة يوم الدِّين.
أما الجزء الآخر من الصُّورة: فيكمن - والله أعلم - في موقع صفاتهم من القصَّة بتمامها. وفي موقع القصَّة نفسها من سورة الكهف بكامل آيها.
وذلك يعطي المعلم القرآني تكامل ضيائه في هذا الموضوع على سلَّم الهداية التي هي المطلب الأسنى في آي الفرقان.