ذلك بأن فواتح السُّورة وخواتمها، والآيات التي كانت واسطة العِقد بين ما قصَّ الله من نبأ أهل الكهف والرَّقيم بالحقِّ، وبين ما تلاه في السُّورة نفسها، قد حملت المبادئ التي لا ينهض بأخذ الأنفس بها إلا أولو العزم والبصيرة الموفقون؛ ومن عيون هؤلاء البررة شبابٌ تخالط بشاشة الإيمان قلوبهم، فيندفعون بمنهجيةٍ واعيةٍ إلى تحقيق مقتضى الإيمان والوفاء بعهد الله، في أنفسهم وفي الآخرين ما أمكنهم ذلك.
ومقتضى الإيمان والوفاء بعهد الله الذي يعاهد المؤمن ربَّه عليه: منهجٌ ربانيٌّ يبعث يقظةَ العقول والقلوب في جوانب المجتمع كافة، فضلاً عما يُنشئ في نفس الفرد والجماعة من رغبةٍ ذاتيةٍ في البناء المرضي لله، المحكمة لبناته على نور من الله، وينمِّي- من خلال صلة العبد بخالقه الحكيم - روح التَّفاني في نصرة الحق، وإحلال اتِّقاء الله محل الرَّغبات الهابطة والهوى.
ويقول في أولي الألباب والبناء من سورة الرعد:
وليس من نافلة القول هنا: أن نزيد الأمر وضوحاً بالتذكير مرَّة أخرى بآية سورة الرَّعد مفتاح المسألة المطروحة في المعلم القرآني وهو قوله تعالى: {أفمن يعلم أنَّما أُنزل إليك من ربِّك الحقُّ كمن هو أعمى} .. الآية. حيث نرى من عطائها نفي التَّسوية بين الاثنين من طريق هذا الاستفهام التَّقريري الإنكاري؛ أي فهذا كهذا؟ لا استواء!!
إن رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم الذي كان يضيء للإنسانية طريقها بهذا الدين بلاغاً وبياناً، لم يكن همَّه أن يجمع أكداساً من البشر، لا تعي رسالة الإنسان في الحياة، ولكنَّ همَّه أن يزيل الغشاوةَ عن الأعين، وتلك الحجبَ الجاهليةَ الكثيفة عن العقول والقلوب، ويقدم للدنيا كلِّها إنسان العقيدة الخالصة، الذي يقوى على بناء الحضارة المثلى لبني الإنسان؛ ولذلك -والله أعلم- خُتمت الآية بقوله تعالى: {إنَّما يتذكَّر أولو الألباب} .