وكان أبو حنيفة رحمه الله إماماً صادقاً وفقيهاً فائقاً، عالماً بالكتاب والسنة سالكاً محجة أهل السنة، متبعاً للنبي صلى الله عليه وسلم فيما أمر [به] [64] وسَنَّه [65] . ذا أصحاب اتقياء، لا من أهل البدع والأهواء [66] ، مجتهدين [67] بذلوا [68] وسعهم في تحقيق الحق فيما [عنَّ] [69] لهم من [المسائل] [70] جل ودق. ومن شهد النبي صلى الله عليه وسلم بخيره [أولى بالتقليد من مجتهد غيره] [71] ، [72] .
وأما العقل فلتقدمه واختصاصه بتدوين علم الفقه وإشخاصه [73] ، فإنه صور المسائل وأجاب عنها وأوضح الأسباب والعلل وبنى عليها. ولقد حكي عن [74] بعض الشافعية في زمن [الإمام] [75] المزني [76] [أنه] [77] كان يغض [78] من أبي حنيفة رحمه الله - فبلغ ذلك الزمني فقال له: مالك و [امرؤ] [79] سلم [له] [80] العلماء ثلاثة أرباع العلم وهو لا يسلم لهم ربعه.
فقال الرجل كيف ذلك يا إمام؟ فقال: العلم نصفه سؤال ونصفه جواب. فأما النصف الأول فقد اختص [81] به أبو حنيفة رحمه الله لم يشاركه فيه أحد، وأما النصف [الآخر] [82] [فإنه] [83] يقول [كله] [84] له، لأنه أصاب في اجتهاده، وغيره يقول المجتهد يخطئ ويصيب، أصاب في بعض وأخطأ [في بعض] [85] . فقد سلموا له ثلاثة أرباع العلم كما ترى، وهو لا يسلم لهم [86] ربعه. فتاب الرجل عما كان عليه [87] ، ولعل هذا معنى قول الإمام الشافعي رحمه الله:"الناس عيال على أبي حنيفة رحمه الله في الفقه" [88] . وتقليد [الأقدم] [89] في الاستنباط أولى [90] ، لأنه هو الذي أخذ ما أخذ من [المآخذ] [91] و [عض] [92] عليها بالأضراس والنواجذ [93] وغيره التقط ما من أقلامه سقط وحاز ما أفرط فيه إن [أفرط] [94] . وهذا أمر يعرفه [ذوو] [95] التحصيل فلا يحتاج إلى دليل ولا تعليل. وكفى استئناسًا [96] وتنبيهاً. بما أنشده الحريري في مقاماته الذي حاز بها قصبات السبق في مقالاته [حيث قال] [97] :