فَلَوْ قَبْلَ مَبْكَاهَا بَكَيْتُ صَبَابَةً ب سُعْدَى شَفَيْتُ النَّفْسَ قَبْلَ التَّنَدُّمِ
ولكِنْ بَكَتْ قَبْلِي فَهَاج لِيَ البُكَا بُكَاهَا فَقُلْتُ: الْفَضْلُ لِلْمُتَقَدِّمِ [98]
المبحث الثاني
في فضل اجتهاده
اعلم أن الأمة إذا اختلفوا في مسألة على قولين واستقر خلافهم على ذلك لا يجوز لأحد بعد ذلك أن يحدث قولاً ثالثًا عند عامة العلماء [99] [وأما قبل الاستقرار فهو جائز بلا خلاف] [100] .
[وأبو حنيفة رحمه الله اجتهد قبل استقرار المذاهب وصادف اجتهاده محله، فكان] جائزًا بلا خلاف [101] . ثم من اجتهد بعد ذلك [فإنما هو] [102] اجتهاد بعد استقرار المذاهب، وذلك لا يجوز عند أكثر العلماء [103] . وما كان جائزاً بلا خلاف فهو أفضل مما كان مختلفًا فيه، والمنازع مكابر [104] .
وقد صرح أبوبكر الرازي [105] في شرح آثار الطحاوي بأن [الاجتهاد] [106] من بعد أبي حنيفة غير معتد به. وتقليد الفضل أفضل [إن] [107] لم يكن واجباً، فإن بعض العلماء ذهب إلى أن تقليد الأفضل متعين [108] ، [109] .
المبحث الثالث
في قوة اجتهاده
لم يستدل أبو حنيفة رحمه الله على حكم مسألة بغير الكتاب ما دام الاستدلال بالكتاب ممكناً [110] . [ولا يخفى دلالة ذلك على قوته في معرفة الكتاب وميله إلى القاطع الذي انتفى عنه] [111] التناقض والاختلاف [112] . قال الله تعالى {أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً} [113] .
ولم يستدل بالحديث [إلا بما ثبت] [114] عنده صحته بمتنه ومعناه. وكان إماما حاويا لما [115] يتعلق بالأحكام من الحديث [116] .
وقد روي عن يحيى بن نصير [117] قال:"سمعت أبا حنيفة قال: عندي صناديق من الحديث ما [أخرجت] [118] منها إلا اليسير". أراد ما سلم من النسخ والمعارضة.
وروي عن أبي يوسف [119] أنه قال: أحفظ عشرين ألف حديث منسوخ ولابد لها من ناسخ [120] .