فهرس الكتاب

الصفحة 8496 من 19127

وهي واقعية رجل الشارع الذي يحصر نفسه في دائرة حياته الضيقة، يدبر أمور حياته ومعاشه ، ويكرس نفسه فيها حتى يغرق إلى أذنيه، هذه هي الصورة الأولى للواقعية الساذجة، كما يعرفها (هيدجر) .

فهو يثق ثقة عمياء بالمعرفة التي تأتي له عن طريق الحواس، والواقع عنده هو ما تقدمه لها الحواس.

وعلى ذلك فإن الإدراك في الواقعية الساذجة يتميز بأنه إدراك فوتوغرافي، ومعنى ذلك أنه إدراك منسوخ من الواقع، لأنه ينقل الواقع المحسوس بأمانة دون تصرف، ولأنه كذلك إدراك ممتزج بالواقع تائه ضائع فيه [12] .

فالمعرفة الواقعية شبيهة بالصورة التي تلتقطها آلة التصوير [13] .

ثانياً: الابتعاد عن الواقعية الساذجة:

حيث إن الرجل العادي لا يظل طويلاً تائهاً هكذا في العالم المحسوس لا يشعر بكيان مستقل لنفسه، ولا يشعر باستقلال وجوده، فلا يظل الإنسان طويلاً في هذا الاختلاط غير المتميز مع الأشياء إذ سرعان ما يتجه إلى ذاته، ويقلل من تهالكه على العالم الحسي الخارجي ويزداد شعوره بذاتيته.

حينئذ تبدأ مرحلة جديدة يفصل فيها الإنسان بين نفسه وبين وجود الأشياء الخارجية ويشعر بأنه قوة يجب أن يعمل حسابها في العالم.

ومن ناحية أخرى فإن الإنسان يكتشف أن إدراكه للأشياء الخارجية قد يختلف عن إدراك الشخص الآخر، ومعنى ذلك أن به شيئاً ما يميزه عن الأشخاص الآخرين، وأنه يتقبل الآثار الحسية على نحو يغاير تقبل الأشخاص الآخرين لها، وهذا من شأنه أن يزيد الشعور بذاتيته ويقلل من انصهاره في العالم الخارجي، ثم إنه قادر على أن يعيد إبداع العالم من جديد وإلباسه صورة غير صورته، وهذا من شأنه أن يعطيه ثقة هائلة في ذاته، ومن ثم يبعد عن الانصهار في الأشياء الخارجية، ويسعى إلى الفصل بين ذاته وبين هذه الأشياء.

وهذا إيذان بانتهاء الواقعية الساذجة وببدء الإنسان مرحلة جديدة من مراحل تطوره الفلسفي، وهي مرحلة المثالية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت