فهرس الكتاب

الصفحة 8555 من 19127

وفي هذا السياق يصعب جداً تصور ثقافة مجردة ومحايدة، لا ترتبط بخلفيات تاريخية، أو مذهبية تشكل مصدر موازينها، ومعاييرها، ومرجع قيمها، ولذلك فهي كثيراً ما تحمل نعتاً يحدد إطارها وأبعادها؛ لذا نجدها تُنْسَب إلى دين أو مذهب؛ كالثقافة الإسلامية، أو البوذية، أو إلى بلد، أو منطقة كالثقافة اليونانية، أو الهندية، وتتسع لمضامين ما تنتسب إليه، فالثقافة الإسلامية حينما اتخذت الإسلام رداء لها - أصبحت تتسع لكل ما يحويه هذا الانتساب من مضامين باعتبار الإسلام عقيدة، وشريعة، وفكراً، وحضارة، ومنظومة قيم [22، ص8] ، وهكذا كل الثقافات الأخرى.

وإذا كان أي وطن بحاجة إلى تنمية شاملة وهادفة في كل مرافقه تستثمر كل إمكاناته وطاقاته فإن هذه التنمية لابد أن تكون متلائمة مع ثقافته، ومعطياته، ومكونات مجتمعه، ومن ذلك - على سبيل المثال - التنمية في حقل العلوم التطبيقية، هذه العلوم التي تطورت في هذا الزمن بصورة سريعة ومذهلة، وحاول المهتمون بها في ظل تسارع معلوماتها، وتلاحق نتائجها أن تنمو في معزل عن الثقافات، وبعيداً عن مضامينها مما أدى إلى نوع من الصراع والتناقض داخل المجتمعات، ولعل هذا هو الذي دفع العالم الشهير إيليا بريغورين Ilya Prigorine إلى القول:"إنه أضحى من المُلِحِّ على العلم أن يعتبر نفسه جزءاً لا يتجزأ من الثقافة التي تطور بين أحضانها". وإلى القول:"إن العلم سينفتح على العالمية عندما لا ينعزل عن اهتمامات المجتمع، ويعدل عن اعتبار نفسه مستقلاً ومجرداً عنها، عندها يصبح العلم قادراً على محاورة الناس من جميع الثقافات، واحترام تساؤلاتهم. ولعل تجرُبة العالم الإسلامي من أوضح الشواهد على سوء النتيجة عندما استورد أنماطاً من التنمية لا تتلاءم مع معطيات واقعه، ومكونات مجتمعاته فكانت الحصيلة تقليداً شبه أعمى للحضارة الغربية [23، ص26] ، وتأخراً في كثير من مجالات الحياة."

هوية الوطن الثقافية

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت