فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
وإذا كانت الأمة مطالبة بأن تجتمع وتتحد على أصول الدين، وأركانه العلمية والعملية العظام، ومفاهيمه العامة، ومقاصد الشريعة التي تشكِّل مضامين الثقافة الإسلامية، ومعالمها الظاهرة - فإنه لا يضرها أن تختلف في القضايا التي دونها من الفروع والجزئيات؛ فإن الخلاف فيها سائغ وواسع؛ لاختلاف الناس في الفَهْم،"والاستنتاج، والاستنباط، واختلافهم في الرأي، والنظر، والإحاطة بعلوم الشريعة، وأسرارها، ومعانيها، وظروف النصوص النازلة وأسبابها" [48، ص2] ، ذكر الإمام الشاطبي في هذا الأمر كلاماً نافعاً بعد أن ذكر اختلاف أهل الملل السابقة، واتفاق أهل الحق من أمة الإسلام فقال:"ثم إن هؤلاء المتفقين قد يعرض لهم الاختلاف بحسب القصد الثاني، لا بالقصد الأول، فإن الله - تعالى - حكم بحكمته أن تكون فروع هذه الملة قابلة للأنظار، ومجالاً للظنون، وقد ثبت عند النظار أن النظريات لا يمكن الاتفاق فيها عادة، فالظنِّيَّات عريقة في إمكان الاختلاف فيها؛ لكن في الفروع دون الأصول، وفي الجزئيات دون الكليات؛ فلذلك لا يضر هذا الاختلاف" [53، ج2، ص168] ، فهو مع كونه ضرورة، هو كذلك رحمة بالأمة، وتوسعة عليها؛ فقد اجتهد الصحابة - رضي الله عنهم - واختلفوا في أمور جزئية كثيرة، ولم يضِيقُوا ذرعاً بذلك؛ بل وطَّنوا أنفسهم على ذلك، قال يونس الصدفي:"ما رأيت أعقل من الشافعي؛ ناظرته يوماً في مسألة، ثم افترقنا، ولقيني، فأخذ بيدي، ثم قال: يا أبا موسى ألا يستقيم أن نكون إخواناً وإن لم نتفق في مسألة" [54، ج10، ص16] . وقد كان الإمام أحمد يحترم رأي الإمام إسحاق بن راهويه؛ وإن كان يخالفه في أشياء، قال عن ذلك:"لم يعبر الجسر إلى خرسان مثل إسحاق، وإن كان يخالفنا في أشياء؛ فإن الناس لم يزل يخالف بعضهم بعضا" [54، ج11، ص371] ؛ بل إن هؤلاء الفقهاء باختلافهم أتاحوا لمن بعدهم فرصة الاختيار من أقوالهم واجتهاداتهم، كما أنهم سَنُّوا لنا سنة الاختلاف في